الاثنين، 7 يونيو، 2010

أمراض المشاهير


في نهايات القرن الماضي، أصدر البريطاني بول جونسون كتابا حمل عنوان: "المثقفون" وفيه استعرض ما سمّاه بـ"أمراض المشاهير" من الأدباء والشعراء والمفكرين. وجميع هؤلاء لعبوا دورا رياديا في تطور الثقافة الإنسانية. ومن خلال كتاباتهم ومواقفهم، كانوا من المدافعين المتحمسين عن التقدم، وعن الحرية، وعن العدالة، وعن المساواة بين البشر. وعن الأخوة بين الشعوب والأمم. مع ذلك لم تخل حياتهم من بعض الفضائح والمساوئ وحب الذات، وارتكاب الحماقات.

بقلم/ حسونة المصباحي نقلا عن/ العرب أون لاين

وكان الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو أول من نالته السهام. فقد اتهمه بول جونسون بالأنانية المفرطة، وبالإحساس بالتفوق على الآخرين. واعتمد في اتهامه هذا، على جملة لروسو كتب فيها يقول:"كيف يمكن أن يكون بؤسي وبؤسك سواء بسواء. إن بؤسي لا مثيل له، ولم يسمع أحد بمثله منذ بدء الخليقة". ويعتقد بول جونسون أن روسو كان"يحمل ضغائن كثيرة، وكان مخادعا باستمراره في حملها". وهو ما لاحظه كثيرون حسب رأيه. من ذلك مثلا أن صديقا سابقا له، كتب يقول مُنددا بسلوكه السيئ تجاه أقرب الناس إليه: "كيف نصدّق أن صديق البشرية " -يعني روسو- " لم يعد صديقا لأحد، أو أنه نادرا ما يكون كذلك؟". وقد ردّ عليه روسو قائلا:"أنا صديق البشرية، والناس موجودون في كل مكان. وصديق الحقيقة يصادف بشرا حاقدين أيضا في كل مكان، وأنا لست في حاجة إلى أن أذهب بعيدا".
ويقدم لنا بول جونسون جان جاك روسو وكأنه شخص لا يمكن أن يصادق، ولا يمكن أن يتمتع بثقة أحد. فهو مريض بجنون العظمة. وهو يحب أن تكون حياته كلها "دعة وتطفّل". كما أنه "كان كثير الشجار، وبعنف شديد – مع كل الذين تعاملوا معه تقريبا، خاصة الأصدقاء منهم". ولم يكن من الممكن استعراض الخصومات المتكررة والمؤلمة التي كان يفتعلها لأنه كان"مريضا عقليا."
ويسخر بول جونسون من كارل ماركس ويقول إنه كان"جاهلا بعالم المال والصناعة طوال حياته" وأن جميع معارفه في هذا المجال والتي قدمها للناس كما لو أنها من ابتكاره الخاص، استقاها في الحقيقة من خاله الذي كان رجل أعمال ناجحا يعيش في هولندا، ومن صديقه انجلز الذي كان عليما حقا بأمور المال والصناعة. ويكتب بول جونسون قائلا:" إن كتاب كارل ماركس "رأس المال"، ذلك النصب التذكاري الذي تمحورت حوله حياته كباحث، لا يجب النظر إليه كبحث علمي عن طبيعة العملية الاقتصادية التي حاول أن يصفها، وإنما كتدريب في الفلسفة الأخلاقية ".." إنه موعظة ضخمة وغير متماسكة في معظمها، وهجوم على العملية الصناعية ومبدأ الملكية من قبل رجل يكنّ لهما كراهية شديدة متوهمة ولا مبرر لها".
ويواصل بول جونسون كلامه عن كتاب "رأس المال" قائلا: "والذي نخرج به من قراءة "رأس المال" هو فشل ماركس الذريع في فهم الرأسمالية. فشل تحديدا لأنه لم يكن علميا: لم يستطع أن يتقصّى الحقائق بنفسه، أو أن يستخدم الحقائق التي تقصاها الآخرون بموضوعية. ومن البداية إلى النهاية كان عمله كله، وليس "رأس المال" فقط، يعكس إهمالا للحقيقة ولا مبالاة تصل أحيانا إلى درجة الاحتقار. وهذا هو السبب الرئيسي في عجز الماركسية كنظام عن تحقيق النتائج التي تدعيها. ووصفها بـ"العلمية" يعتبر أمرا منافيا للعقل".
ولم يكتف بول جونسون بانتقاد أفكار كارل ماركس الواردة في مجمل كتبه النظرية، والتي أصبحت مرجعا أساسيا للحركة الشيوعية العالمية، بل قدّمه كشخص"متعجرف وراشح بالازدراء". وكان صوته الحاد الرنان "متناسقا تمام التناسق مع الأحكام العنيفة التي كان يصدرها ويوزّعها على البشر والأشياء بلا توقف".
وكان من عادته أن يقول لكل من يعاديه ويناهض أفكاره:"سوف أمحوك من الوجود". وإمعانا في الحط من قيمته، كتب بول جونسون عن كارل ماركس يقول:"لم يكن له وقت محدّد للنوم أو الاستيقاظ. كان يسهر عادة طوال الليل، ثم يرقد بكامل ثيابه على الأريكة ويظل نائما حتى المساء. لم يكن يزعجه دخول أو خروج الدنيا كلها عليه وهو نائم. لا توجد قطعة أثاث واحدة سليمة أو نظيفة. كل شيء مكسور، ممزّق، رث. طبقات من الغبار تغطي كل شيء والفوضى تعمّ المكان.
في وسط الصالون توجد طاولة كبيرة من طراز قديم عليها مفرش من البلاستيك فوقه مخطوطات وكتب وجرائد وسكاكين ولمبات ومحبرة وكؤوس وغلايين تبغ ورماد. إن صاحب أي محل خردة ليخجل من بيع تلك الأشياء الغريبة".
ولم ينج "انريك ابسن" كاتب المسرحيات الشهيرة والذي أمضى حياته مواصلا تطوير أدواته الفنية بهدف الوصول إلى السمو الفني كما هو الحال عند شكسبير من التجريح والانتقاد. ويقول بول جونسون إنه – أي ابسن – نشأ"ضئيل الحجم، قبيحا. وكانت هناك شائعة تقول إنه طفل غير شرعي لرجل مجهول".
وعندما كبر وأصبح مشهورا ظل ابسن عاجزا عن أن يكون أنيقا. وكان يقضي ساعة كاملة كل صباح محاولا ارتداء ملابسه. غير أن"جميع محاولاته للتأنق منيت بفشل ذريع".
وكان يبدو لمعظم الناس "مثل العاملين على ظهور السفن" وكان له "وجه أسلافه الأحمر الغريب خاصة بعد أن يشرب". ويقول جونسون إن ابسن لم يكن يشرب أثناء الكتابة. غير أنه كان يفعل ذلك في الجلسات والسهرات العامة إذ إن الشراب كان يخلصه من خجله، ويطلق لسانه. لكنه كان أحيانا يبالغ في الشراب.
وعندئذ تصيبه نوبات غضب حادة فيأخذ في التهجم على الآخرين، وسبهم. وهذا ما فعله مع شاب اسكندنافي في روما.

وكان هذا الشاب رساما مريضا بالسل. وقد هاجمه ابسن وهو سكران قائلا:"إنك لا تستحق أن تسير على القدمين. أنت جدير بأن تزحف على أربع!" وعندما انتهت السهرة كان ابسن "عاجزا عن الوقوف".
لذا اضطر الآخرون إلى حمله إلى البيت الذي كان يقيم فيه. وعن علاقة ابسن بزوجته كتب جونسون يقول:"كان ابسن دائما فظ القلب وعنيفا مع زوجته.
ولكنها كانت تعرف كيف تحمي نفسها من غضبه. يثور فتضحك في وجهه ببساطة وهي واثقة من جبنه وخوفه من العنف. كانت في الواقع تلعب على أوتار مخاوفه وتمشط الصحف بحثا عن الأخبار المرعبة والكوارث اليومية التي تنقلها إليه. ولم يكونا زوجين يمكن رؤيتهما وهما في انسجام ووفاق".
ولم يسلم الكاتب العظيم تولستوي من التهجمات القاسية. فقد أشار بول جونسون إلى أن صاحب "أنّا كارينينا" كان مدمنا على لعب القمار كما هو الحال بالنسبة لدستويفسكي. ومرات عديدة سافر إلى أوروبا من أجل هذا الغرض. وفي ضيعات والده كان يطارد بنات الأقنان، ويأخذهن إلى سريره كل ليلة. لذلك سوف يكتب فيما بعد قائلا:"أتذكر الليالي التي قضيتها هناك. أتذكر جمال وشباب "دينا شاه". أتذكر جسدها القوي الممشوق". بل إن تولستوي كان يحب أن يمارس الجنس مع النساء المتزوجات. وعن امرأة متزوجة تدعى "اكسينا" كتب في يومياته عام 1858 يقول:"اليوم.. في الغابة الكبيرة القديمة.. أنا أحمق.. وحش.. جسدها البرونزي وعيناها. أحب كما لم أحب من قبل. لا أفكر في أي شيء آخر".
وفي ما بعد سوف يندم تولستوي على مغامراته الجنسية، وسيكتب قائلا:"الآن سوف أضع لنفسي القاعدة التالية، سوف أعتبر صحبة النساء شرا اجتماعيا لابد منه وأحاول الابتعاد عنهن قدر الإمكان. من في الحقيقة سبب الميل الحسي والعبث والخطايا الأخرى بداخلنا إن لم يكن النساء؟ ومن الملوم لفقداننا صفاتنا الطبيعية من الشجاعة والإخلاص والتعقل والإنصاف إن لم يكن النساء؟". ويقول جونسون إن الشهور الأخيرة من حياة تولستوي كانت "مؤلمة"خاصة بالنسبة لعشاق أدبه. فالرجل الذي بدا من خلال أعماله مدافعا عن القيم الإنسانية النبيلة والسامية، انقلب على نفسه وباتت حياته موسومة بالغيرة والضغينة والانتقام والمكر والخيانة والمزاج السيئ والهستيريا الخسة".
ويقول بول جونسون إن ارنست همنغواي كان يحب الكذب، وكان يتعمّد ذلك غالب الأحيان. وفي قصة له بعنوان:"بيت الجندي" كتب يقول:"من الطبيعي أن يكون أفضل الكتّاب كذّابين. جزء كبير من حرفتهم هو أن يكذبوا.. أن يختلقوا الأكاذيب.. إنهم كثيرا ما يكذبون دون وعي، ثم بعد ذلك يتذكّرون كذبهم بندم شديد". ويقول جونسون إن همنغواي كان يكذب عادة على والديه، ويكذب في كلامه عنهما، وأحيانا لأسباب غير واضحة. ومرة كذب وقال إن أخته "كارول" اغتصبت من أحد الشواذ جنسيا. ثم زعم أنها تزوجت ثم طلقت. بل أعلن ذات مرة أنها ماتت.
والحقيقة كما يقول جونسون أنها كانت "سعيدة في حياتها الزوجية مع زوجها الذي كان همنغواي يكرهه".
ويقول جونسون إن حياة همنغواي التي انتهت بانتحاره ببندقية صيد في الثاني من شهر يوليو/ تموز 1961، كانت"درسا يجب أن يعيه كل المثقفين.. وهو أن الفن وحده لا يكفي!".
وينتقل بول جونسون إلى الشاعر والكاتب المسرحي الشهير برتولد برخت الذي يصفه بـ"صاحب القلب الجليدي" وهو يقدمه لنا على الصورة التالية: "كان "أي برخت" يحب أن يثير بأعماله ضجة ويكشف عن فضائح.
كان يريد أن تثير مسرحياته الهمس وصيحات الاستنكار من جانب الجمهور والتصفيق الحاد من الجانب الآخر. لم يكن يهتم بالنقد المسرحي القائم على التحليل. كان يكره ويحتقر المثقفين التقليديين خاصة ذلك النوع الأكاديمي أو الرومانسي. اخترع "برخت" في الواقع مثقفا من نوع جديد كما فعل "روسو" و"بيرون" في زمانيهما.
نموذج "برخت" الجديد رفيع الثقافة والذي كان هو نفسه نموذجا له، كان فظا غليظ القلب شكاكا. أراد أن يضع على المسرح الجو الخشن والعنيف الموجود في الساحة الرياضية. كان مثل "بيرون" يستمتع بصحبة الملاكمين المحترفين".
ويرى بول جونسون أن فلسفة برخت التي تعتمد على مقولته التالية:"لا تنس أن الفن خداع، وأن الحياة نفسها خدعة" تفضح "أنانية عنيدة". ويضيف قائلا:"كان برخت يتابع أهدافه الأنانية بقسوة منظمة ودم بارد إلى درجة نادرة".
ويستعرض بول جونسون علاقات برخت مع النساء، محاولا أن يثبت أنه كان يستغل مواهبهن لصالحه بل "وجعلهن جميعا في خدمة أغراضه". وبالنسبة إليه كانت النساء "كلهن دجاجات في مزرعة الديك الوحيد بها".
وعن سارتر، كتب بول جونسون يقول:"كان "أي سارتر" مفتونا بالعنف يلعب فيه بقدميه خلف سحابة مربكة من البلاغة اللغوية. كان يقول مثلا: "عندما يواجه الشباب الشرطة فواجبنا ليس فقط أن نظهر أن الشرطة هي العنيفة، بل علينا أن ننضم إلى الشباب في عنفهم المضاد" وأيضا: "إذا لم يشارك المثقف في "العمل المباشر "العنف" نيابة عن السود فإنه يعتبر مسؤولا عن قتلهم تماما كما لو كان يضغط على زناد الشرطة الذي يقتلهم". ويتهجم بول جونسون على فلسفة سارتر الوجودية ويقول إنها "كانت جنونا يستمتع به الناس".
الشيء الأساسي الذي يمكننا أن نلاحظه في كتابه هو أن بول جونسون اختار مثقفين علمانيين كبارا عرفوا بدفاعهم المستميت عن الحرية وعن القضايا العادلة. ومنهم من دفع الثمن غاليا في سبيل ذلك.
ولعله أراد من خلال التركيز على عيوبهم واتهامهم بـ"الكذب والشعوذة والجنون والأنانية" الحط من قيمتهم وإثارة مشاعر الاحتقار والكراهية تجاههم والتشكيك في شهرتهم. لكن هل نجح في مسعاه؟ ذلك هو السؤال الذي يتحتم على كل قارئ لهذا الكتاب الإجابة عنه.


تفاصيل الموضوع →

الجمعة، 28 مايو، 2010

نزار قباني والطيب صالح.. حوار


هذا الحوار أجراه الأستاذ الروائي الطيب صالح مع الشاعر نزار قباني بإذاعة الـ«بي.بي.سي» بلندن في ابريل 1973عندما كان الطيب صالح محررا أدبيا بالإذاعة اللندنية الـ« بي. بي.سي» ومسؤولاً عن القسم الأدبي العربي وقتذاك.. والحوار نشرت مقتطفات منه مجلة « هنا لندن» التابعة للـ«بي.بي.سي».

الطيب:أخ نزار ، أنت تقول في موضع ما أنك تريد أن تحوّل الشعر إلى خبز يومي لجميع الناس، وأعتقد أنه إذا كان هناك شاعر معاصر فعل ذلك فهو أنت.. وهذا واضح حينما تلقى الشعر، يهرع آلاف الناس لسماعك- تفتكر ليه حصل كدة بالنسبة لك؟

نزار: القضية بسيطة جداً.. أنني أنزلت الشعر من سماء النخبة إلى أرض البشر.. فأنا منذ بداياتي الشعرية، كنت أؤمن إيمانا مطلقا أن الشعر المكتوب للناس، وأن الناس هم البداية والنهاية في كل عمل شعري، إن أسطورة الشعر المكتوب للطبقات الخاصة، للأمراء والنبلاء سقط. نحن في عصر يجب أن يكون المستفيدون من الشعر هم الناس.. قاتلت في الأصل لأصل هذه النتيجة. وقد تنبأت بذلك عام 1948 في ديواني « طفولة نهد» وتوصلت إلى معادلة شعرية يكون فيها الناس جزءاً لا يتجزأ من الشعر.

الطيب: هل هذا الإدراك حدث فجأة أم أنه إدراك نما بمعايشتك لأفكار، ويمكن لشعر أنت رفضته.. شعر لشعراء عرب آخرين؟

نزار: منذ البداية شعرت أن هناك هوة كبيرة بين الشاعر والجمهور، كان هناك نوع من الجدار اللغوي المنيع الذي يحول دون أن يتذوّق الناس الشعر، وشعرنا القديم الذي استمر من العصر الجاهلي وحتى مطلع القرن العشرين، كان شعراً صعباً لأنه كان يعتمد على التراكيب اللغوية، وعلى النقش وعلى الزخرفة، فأنا أردت من الشعر أن يخرج من جدران الأكاديميات وينطلق في الحدائق العامة، ويعايش الناس ويتكلم معهم..

الطيب: متى أصدرت أول ديوان؟

نزار: أول ديوان لي « قالت لي السمراء» وقد صدر في دمشق عام 1944م.

الطيب: في هذا الديوان بالذات لك قصيدة عنوانها « ورقة إلى القارئ» أعتقد انك تعلن فيها نوعا من الـ"ٍفَينمُان" عن تجربتك وعما تريد أن تقدّمه للقارئ «أما زلت متمسكا بهذا الـ"ٍفَينمُرب" بينك وبين قارئك؟

نزار: أنا لا أؤمن بالأشياء الثابتة، أنا لا استطيع أن أقول ما قلته قبل ثلاثين سنة مثلاً ..« قانون» أنا أتطوّر مع الحياة، واسمح لي أن استعمل تعبير «أغيّر جلدي» في كل لحظة. إلا أن هناك عموميات أعتقد أن الإنسان يظل مرتبطا بها مثلا نظريتي التي بدأنا بها الحديث عن تعميم الشعر أو تأميمه هي نظرية لا تزال بالنسبة لي صحيحة وأنا في كل يوم أحاول أن اكسر جدرانا جديداً وأدخل بيوت الناس من النوافذ ومن الأبواب.

الطيب: تقصد ماذا- على وجه التحديد- أنك «تغير جلدك»؟

نزار:أنا لا أومن بوجود أشياء مطلقة ولا أشكال مطلقة، ربما أزمة شعرنا العربي في عصور الانحطاط أنه كانت القصائد عبارة عن قصيدة واحدة منسوخة على ورق كاربون، يعني أن الشاعر لم يكن ليفهم عصره أو ليفهم قضية الإنسان॥ العملية كلها بالنسبة للشعر العربي خلال الألف سنة الأخيرة، كانت عبارة عن نوع من الاكتشاف.. اكتشاف ما هو مكتشف كانت عبارة عن كيمياء لغوية نحن الآن لا نفكر بالشعر كلغة قاموس لا يستطيع أن ينظم قصيدة وإنما الإنسان هو الذي ينظم القصيدة لهذا فإن القاموس سقط.. سقط بكل محدوديته القديمة.. كمجموعة من الألفاظ والتراكيب والقوانين الصارمة التي لا تحتمل المخالفة.. نحن اليوم نخالف لأنه يجب أن نكون مع الحياة لا مع النصوص الميتة..

الطيب: لكن يُخيّل لي أخ نزار أنك أكثر الشعراء المعاصرين اهتماما باللغة أنت « صحيح» تستعمل لغة حديثة بمفاهيم حديثة لكن واضح في شعرك اهتمامك بالمادة الخام التي هي اللغة التي تعبر بها عن أحاسيسك؟

نزار: أستاذ الطيب يجب أن نتفق أولا على مفهوم اللغة... أنا أعنى اللغة التي حاصرتنا زمنا طويلا في جامعاتنا وفي مدارسنا وفي دروس اللغة العربية وفي دروس الفقه.

الطيب: محاطة بقداسة؟

نزار: محاطة بنوع من القداسة.. وكانوا يقولون لنا أن هذه اللغة كصندوق سحري يجب ألا تلمسها أو لا تفتح الصندوق المخبأة فيه وإلا افترسنا المارد المخبوء في العلبة، اللغة التي أفهمها أنا هي اللغة التي يتنفس بها الناس، أعود بك إلى فكرة نزع الجلد..

الطيب: أعود بك أيضا إلى فكرة نزع الجلد.. هل يعني هذا أن القصيدة حين تكتمل تصبح بالنسبة لك لا تعني شيئا تصبح عالما خارجاً عنك تكتبها وتنساها؟

نزار: القصيدة تنتمي.. حين أكتبها إلى مرحلة تاريخية وأعتقد أن بقاء الشاعر في المرحلة التاريخية التي كتب عندها القصيدة تجمده وتوقفه عن الحركة، أنا أحب دائما أن أتجاوز قديمي طبعا هذا ليس نوعا من قلة الوفاء ولكنني شديد الوفاء الفني.. الوفاء للفن يكون دائما بالتجاوز والتخطي، هناك أناس كثيرون مثلا يستطيعون أن يستعيدوا قصائد كتبوها قبل عشرين سنة بدقة آلة التسجيل أنا عاجز عن القيام بمثل هذه المغامرة.
نشأت في منزل دمشقي قديم.. هي عبارة عن فراديس مختبئة خلف أبواب خشبية صغيرة قد تدخل في زقاق صغير قد لا يوحي لك بشيء إلا أنك فتحت بابا من الأبواب الخشبية الواطئة، فتحت أمامك فراديس فإذا بك تدخل جنة من جنان الوهم فالشجر والورد والياسمين والمياه الجارية والأسماك والعصافير كلها تتابع أمامك مرة واحدة، هذه الخلفية لعبت دورا مهما في حياتي وفي تكوين لغتي الشعرية.. في دواويني الأولى « قالت لي السمراء»، " طفولة نهد" «أنت لي».. تلاحظ أن أبجديتي التي أكتب بها أبجدية دمشقية واستعملت كثيرا من الألفاظ الفولكلورية السورية في قصيدة «خمس قصائد إلى أمي» استعملت أسماء نباتات سورية غير معروفة في بقية العالم العربي كالشمشير والنفشة.. الارتباط بالأرض هو الأساس، أشعر أن الأرض هي مسرح الشاعر هذه الواقعية جعلتني حادا وأقرب إلى قضايا البشر من غيري من الشعراء.

الطيب: هذه الطفولة الجميلة كما رسمتها هل كانت توجد إرهاصات انك ستكون شاعراً؟

نزار: أحب أن أشير إلى ناحية مهمة، أن هذه اللوثة الفنية جاءتني عن طريق « جد» لي لعب لعبة خطيرة في تأريخ المسرح العربي هو أبو خليل القباني... كان فنانا من طراز رفيع وأستطيع أن أشبهه بشارلي شابلن، كان هذا في نهاية القرن التاسع عشر، قاتل المستحيل في بيئة دمشقية محافظة، كي يضع لأول مرة في الشرق مسرحا طليعياً وقد جاوز في مسرحه كل الموروثات، وكان نصيب أبي خليل النفي إلى خارج أسوار دمشق، ذهب إلى مصر وفي مصر استطاع أن يكون رائداً من رواد الحركة المسرحية التي عرفناها في مصر بعد ذلك.
الطيب: ألا تحس برابطة زمالة تربطك بشعراء عاشوا قبلك بألف عام أو أكثر؟

نزار: أرتبط بمن يلتقون معي في التفكير، خذ مثلا شعر عمر بن أبي ربيعة، أنا أرتبط معه بخيوط الواقعية الأرضية والبشرية، أنت تعرف أنّ عمر بن أبي ربيعة أخرج الحب كما أخرجته أنا من سراديب الكتب والحرمان إلى الهواء الطلق.. أنا أؤمن بالحقيقة.. بشاعر يقول بما يريد الناس أن يقولوه، لو كنت شاعراً منافقاً لوفرت على نفسي كثيرا من الهجمات والمشاكل واللعنات إلا أنني أعتقد أن لهفة الشاعر هي وسام، لأن مهمة الشاعر هي أن يضع قنبلة موقوتة تحت عجلة القطار الخشبي المتهالك الذي لم يعد منسجما مع العصر.

الطيب: في علاقة الشاعر بالمرأة « في دواوينك» تدهشني إلى حد ما هو أن الشاعر في مشاركة مستمرة مع المرأة، علاقة فيها نزاع وصراع يكاد يكون حميماً أكثر مما يجب؟

نزار: شوف يا أستاذ الطيب.. لقد أثرت نقطة أحب أن أوضحها. إن الخصومة مع المرأة هي المصادر الشعرية الحقيقية، نهايات الحب جعلتني اكتب شعراً أحسن من بداياته.
حينما ينقطع الخيط، وتثور العاصفة مع حبيبتك، فأنت تبدأ بكتابة الشعر. هذا يدعوني لأن أقول أن الدراما في الحب هي الشعر الحقيقي.. والفرح في الحب لا يعني شيئا، إن الفرح عملية مسطحة جدا فحينما تكون سعيدا مع حبيبتك تكتفي بسعادتك.. إن الفرح والسعادة عملية أنانية جدا، أما حينما يقطع الخيط أو يدخل الحبيبان في منطقة الدراما.. فهنا يبدأ الشعر.

الطيب: ما أكثر قصائدك دراما وعنفا، قصيدتك « الرسم بالكلمات»؟

نزار:هذه القصيدة تعبر تعبيرا عنيفا عن الأزمة، الأزمة التي يصل إليها الشاعر حينما يصل إلى مكان مسدود، يعني طريق باتجاه واحد هذه القصيدة أسيئ فهمها جدا وأنا آسف لذلك، اعتبرها البعض ممن يقرؤون قراءة مسطحة أو من يقرأ المكتوب من عنوانه اعتبروها قصيدة غير أخلاقية। أنا أؤمن بأن هذه القصيدة هي من أحسن شعري: أولا ومن أطهر شعري، لأني أحاول بهذه القصيدة أن أوجد التناقضات «كَُْف قصيد» بين ما كان عليه الشاعر وما انتهى إليه، في هذه القصيدة خيبة أمل رهيبة جداً وبهذه القصيدة نوع من السأم والعبثية كما يسمونها الآن



تفاصيل الموضوع →

الخميس، 27 مايو، 2010

ثلاث كتب لكل مليون عربي..


تحويمة خفيفة غير متخصصة حول التقرير السنوي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية برسم سنة 2008 تكشف هول الصدمة، وتُعرّي حجم خيبة الأمل العربية على أكثر من صعيد، حتى أن الفرد من هذا التجمع الاستعرابي والمستعرب الذي يغطي جزء من صحراء الله الشاسعة نفطا ودولارات، يغدو مثل ثور هائج لا يقو على السير دون أن يرتطم، إذ مع التقرير الجديد، تبخّر من جديد مأمل التحديث والتقدم، وتلاشى مطمح المشاركة العربية المأمولة في صياغة وتشكيل مصير العالم مع رياح لا شرقية ولا غربية إلى أجل غير مسمى.

إعداد/ عزيز باكوش

وهذه أسباب النزول: ففي وقت حافظت فيه الدول الصناعية الكبرى على وتيرتها المتصاعدة في تسجيل أعداد كبيرة من براءات الاختراع، حيث تقدمت اليابان بـ28774 براءة اختراع خلال السنة الماضية، تلتها ألمانيا في المرتبة الثانية ب(18428) ثم فرنسا (6867) فبريطانيا (5517) وهولندا (4349) والسويد (4114) وسويسرا (3832) ثم كندا (2966) وإيطاليا (2939) وفنلندا (2119) فأستراليا (2028). اكتفت أمة اقرأ "ياحسرتاه" بذيل القائمة جريا على ديدنها منذ عشرات العقود. إذ حصلت الدول العربية مجتمعة على 173 براءة اختراع في عام واحد، هذا من غير الدخول في تفاصيل البراءات تقنيا وعلميا، في حين سجلت إسرائيل العدو التاريخي للعرب والمسلمين وحدها رصيدا يصل إلى 1882براءة اختراع، فيما أودعت تركيا الحليف المسلم الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة 367 براءة .
لا ندري من أية زاوية يمكن قراءة الأرقام الواردة من هذه المنظمة العالمية، وتلمس حقائقها الصادمة، فالعرب على ما يبدو استساغوا "المؤخرات" واستطابوا المراتب الدنيا في كل شيء، مما يفتح مجال التأويلات واسعا حول ما إذا كان هناك من يريد من الحكام العرب الإصرار على البقاء دائما في ذيل القوائم، لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في الحكم .
1- هل غياب روح الانتماء للوطن هو ما يفقد العرب براءات اختراعاتهم؟
2- هل من دور للحكومات العربية في القيام بتشجيع الابتكار، وتحفيز الباحثين والمبدعين من خلال سن إستراتيجية شاملة ومنسجمة بدء من تعليم متطور مرورا بسياسة اجتماعية واضحة المعالم نحو عدالة تحفظ كرامة العربي، وتصون إنسانيته؟ هل من سياسة واضحة المعالم تعنى بالعلماء، وتحفز الباحثين منهم، وتهدف إلى نسج فلسفة ناجعة تخرج البحث العلمي من أفقه الضيق خارج عنق الزجاجة، حتى تقف أمة اقرأ على مشارف الركب، حتى لا نقول المساواة مع أحدث التطورات والاكتشافات العلمية؟ " فرانسيس غاري" المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية صرح للجزيرة نت قائلا: "من المعروف تاريخيا أن الأزمة الاقتصادية تؤثر على الاستثمارات في البحث العلمي والابتكار"، لكنه في الوقت نفسه، يرى أن الأزمات "يمكن أن تلعب دورا محفزا على الابتكار والإبداع، حيث تخلق فرصا للتجديد الاقتصادي والوقوف على القضايا العالمية الملحة مثل التغييرات المناخية". فهل يمكن أن تلعب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يتخبط فيها العرب اليوم حتى النخاع دورا محفزا على الابتكار والإبداع، حيث تخلق فرصا للتجديد السياسي الثقافي والإقلاع الاقتصادي والوقوف على القضايا الحقيقية الملحة والناجعة لتفعيل وتنشيط متطلبات التنمية البشرية الحقيقية في الوطن العربي ؟ وأخيرا ،إلى متى يظل العرب "أعمق نوما وأعتى شخيرا"؟
إسرائيل اللقيطة أو.. لنغدق عليها من الألقاب الدنيئة كما نشاء، وكما تكشف عن ذلك معظم التقارير الإستراتيجية الدولية، هي الدولة الأولى في العالم في مجال النشر العلمي مقارنة بنسبة السكان، فعدد العلماء الناشرين للبحوث العلمية في هذا الكيان اللقيط بكل مرارة 711% لكل عشرة آلاف نسمة، فيما نسبة أمريكا دركي العالم الأوحد لا تتجاوز 10 %، حسب دراسة ميدانية نشرت مؤخرا، ولكي لا يكون كلامنا مرسلا، فإن في كل روض للأطفال في الكيان الصهيوني حاسوب لكل طفل، وطبعا لا قياس مع وجود الفارق، أما عدد مستخدمي الإنترنت فهم خمسون ضعفاً بالنسبة لمستخدميه من العرب، أما نسبة الكتب المترجمة من لغات العالم إلى العبرية فتصل إلى 100 كتاب لكل مليون إسرائيلي، فيما لا تتعدى3 في العالم العربي "ثلاثة كتب" فقط لكل مليون عربي!. لنتأمل الفاجعة .
لكل ذلك، من حقنا كعرب أن نغضب ونحزن ونتساءل، كيف حدث هذا التقدم الإسرائيلي؟ لنتأمل جميعا هذه المعطيات "إسرائيل تصرف 2500 دولار على تعليم الفرد مقابل 340 دولارًا عند العرب، وحجم الإنفاق على التعليم عند إسرائيل حوالي 7% من الناتج القومي مقابل 5% في أمريكا و4% في اليابان، وهناك 1395 عالمًا وباحثًا لكل مليون من السكان مقابل 136 لكل مليون في الوطن العربي، وتخصص إسرائيل أكثر من ستة مليارات دولار للبحث العلمي بما يوازى أربعة ونصفا في المائة من الناتج القومي، أما الوطن العربي مجتمعاً فيخصص مليارًا ونصف المليار تقريباً، أي أقل من ثلاثة من عشرة في المائة من ناتجه القومي!، وإسرائيل هي "الدولة" الأولى في العالم في مجال النشر العلمي نسبة لعدد السكان، فعدد العلماء الناشرين للبحوث 711% لكل عشرة آلاف نسمة ". أرقام مرعبة حقا، تصيب المرء منا بالذهول، والسؤال، هل أحدث ذلك رجة ولو خفيفة على سلم الحكم في الوطن العربي؟ فوقوفنا كعرب ومسلمين في ذيل القوائم كلها، صدمة لا بد أن تحدث زلزالا مدمر ا في نفوس من أوكل إليهم تدبير شأننا السياسي والعلمي، زلزال لابد يجعلنا نعيد كل الحسابات البنكية وغيرها داخل المصارف وخارجها .
على أن تسويق هذه الحقائق الصادمة للقارئ العربي، لا يعني بالضرورة الترويج لحكماء صهيون كما دأب للبعض أن يفهم، أو التحضير لتطبيع بئيس في أسوإ احتمالاته كما اعتاد الكثير من العاجزين الكسلاء في تمرير الفهم العولمي على الطريقة العربية العابر للقارات، ولكن فقط، لأن الأمر في جوهره واقع وحقيقة، وعلينا كعرب، أن لا نرجّح كفة النصر العلمي والعسكري في ظل هذا الانحدار الصارخ، أو نوهم 300 مليون من ناطقي لغة الضاد، أننا في وضع آمن ومتقدم اقتصاديا وثقافيا، فقط بالدعاء من على المنابر يوم الجمعة، أو عبر صراع الديكة من على المقاعد الحوارية المكيفة باستوديوهات عبر القنوات التلفزيونية الفضائية التي تعج بها سماوات الله المفتوحة التي باتت الآن وهنا، تبيع الدجل وتتاجر بالسحر، غايتها الأسمى فقيه لكل مواطن بدل كتاب لكل مواطن.
أليس من الأجدر إذن تخصيص الغلاف المالي الذي تحتله مسابقات الحمام والجمل والغربان والحبارى والحمير والتيوس والفرس والذي يُعدّ بالملايير، للأبحاث الأكثر أهمية لعل أقربها تعميم وتطوير المستجدات والاختراعات العلمية وغيرها التي تتقاطر علينا كعرب من كل فج عميق من عوالم الطب والهندسة والتكنولوجيا.
الهوة باتت ضوئية، والفجوة اتسعت بشكل لم يعد للإعلام الرسمي العربي مبررا للحديث حول نسب افتراضية بل وهمية للتقدم والتنمية البشرية. لنترك التفاصيل جانبا، ونلق نظرة حول الإحصاءات والبيانات التي جاء بها التقرير الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية التابع للأمم المتحدة التي مقرها فجنيف، فيما يخص عدد طلبات براءات الاختراع المقدمة لديها من 22 دولة عربية، وبين ما توصلت إليه المنظمة نفسها من بعض دول المنطقة مثل تركيا وإسرائيل.
وإذا كان لابد من تسجيل التقرير لتقدم دولتين عربيتين هما السعودية ومصر قائمة الدول العربية الأكثر تسجيلا لبراءات الاختراع لدى المنظمة عام 2008 برصيد 61 السعودية و47 لمصر على التوالي، فإنه من اللافت كذلك، أن جميع الدول العربية تقف في مكانة متأخرة مقارنة مع معظم دول الاقتصاديات الناشئة. وفيما احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الثالثة برصيد 22 براءة اختراع، متبوعة بالمملكة المغربية (12) " انظر فارق عدد السكان بين الإمارات والمغرب مقارنة برصيد براءة الاختراع "ثم الجزائر (11) ثم الأردن (6) فسوريا (5)، وثلاثة براءات اختراعات لكل من الكويت والسودان وتونس، واختراع واحد من ليبيا.
وبهذا، تكون محصلة الدول العربية مجتمعة أي 300 مليون نسمة 173 براءة اختراع في عام واحد، في حين سجلت تركيا وحدها حوالي 60 مليون نسمة 367 براءة اختراع، أما الكيان الإسرائيلي الذي لا يتجاوز سكانه 6 ملايين، فوصل رصيده إلى 1882 اختراعا عن نفس الفترة. يقول التقرير.
من ناحية ثانية، نظرة متأملة لاقتصاديات نمور جنوب شرق آسيا تربك وتجعل الوضع أكثر سوداوية، رغم أن معظم هذه الدول بات محسوبا على الدول الأكثر نموا، مقارنة بالتعريف المتداول الذي يقول "الدول السائرة في طريق النمو" فقد تصدرت كوريا الجنوبية القائمة بتسجيل 7908 براءات اختراع، تلتها الصين (6089) فالهند (766) والبرازيل (451) وجنوب إفريقيا (382) والمكسيك (210) وماليزيا (177). فيما سجلت كوريا على الصعيد العالمي أعلى زيادة في عدد الاختراعات المسجلة بنسبة 12%، تلتها الصين بنسبة 11.9%. وإذا كانت المنظمة العالمية للملكية الفكرية - ومقرها جنيف- تخشى في المقابل تراجع تسجيل براءات الاختراعات تحت تأثير تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. فإن ردود الفعل العربية الرسمية بدت كما لو أن الأمر يتعلق بتقرير حول الزلازل في المريخ ، ولذلك تراوحت بين التمرير الخجول واللااكتراث المطلق، حتى أن بعض القنوات والمنابر الإعلامية تجنبت الإشارة إلى محتويات التقرير. يقول مواطن عربي "لم نكن نتوقع أكثر من ذلك، الأموال العربية تكرس فقط لاختراعات الجديد في عالم القمع والضرب وتقليص الحريات وتثبيت كراسي الحكام!"، ويرجح طالب في شعبة الاقتصاد فرضية أن علماء إسرائيل مزدوجي الجنسية، وعندما يخترعون شيئا، ويرغبون في تسجيل براءته، يسجلون براءته، يفضلون "دولة" إسرائيل، حتى ولو كان اختراعهم تم في دولة أوروبية، وهنا تأتي المفارقة يضيف الطالب، فإن علماء العرب لا يترددون في تسجيل براءة اختراعهم باسم دولة أجنبية، بدافع الاغتراب والانبهار، حتى ولو كان الاختراع عربي المنشأ، وبرأي الطالب نفسه، يمكن معرفة ذلك بسهولة، لأن أعداء العرب يريدون تشويهنا، وبالتالي إيهامنا بأننا أمة لا تنجب علماء، وبالمقابل هي منجم ثر للفقهاء.
لكن متصفحة عربية اختصرت الكلام، وقالت ما هو موجز ومفيد، معتبرة أن انعدام روح الانتماء للوطن العربي، نتيجة لما تقوم به الحكومات الماسكة بزمام أمره، من تعجيز للموهوبين، وقتل للمبدعين الطموحين، عبر بيروقراطية ومحسوبية أجهزت على كل الآمال. وفيما ينتصر العالم الحر في بحثه عن المعرفة، يجتهد العرب في البحث عن الطائفية، حتى أنهم يتفننون في تكفير بعضهم البعض، ويسيئون للغتهم ولحضارتهم بقتلهم للأبرياء بدعوى الشهادة والاستشهاد. يضيف مبحر عربي . أما الأستاذ الذي دون رأيه، فقد عبر بثقة عن وجهة نظر متفائلة، إذ يرى أن رصيد الدول العربية أكبر من ذلك بكثير، لكن معظم اختراعاتهم تصبح أجنبية بسبب شرائها، أو رغبة أصحابها في التجنيس، وبذلك تحسب الاختراعات أوروبية وأمريكية تحت إغراءات مادية ولوجيستيكية تسيل اللعاب. ويرى طالب جامعي شعبة التدبير والمحاسبة أنه يجب أن نبعد الدين الإسلامي السمح عن هذه المعادلة السياسية الفجة، هذا الدين العظيم الذي يدعو للعلم ويخاطب العقول، لكن التبعية العمياء لبعض القادة من رجال الدين لرجال الذين باتوا يمتهنون الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان، و يدعون الناس إلى التفرقة ويهيئون المناخ للفتن، هم في حقيقة الأمر يسيئون لصورة الإسلام السمح، حين يدعون أتباعهم ومريديهم إلى قتل الأبرياء بحجة الجهاد والاستشهاد.
والمحصلة، فإن المناخ العام في الدول العربية، لا يشجع على البحث العلمي الهادف، فالناس لا يقرؤون، وإذا مارسوا فعل القراءة بالصدفة، فغالبا ما تكون الوجهة كتب الطبخ أو الأبراج أو تلك الكتب الصفراء التي تعيد إنتاج الماضي دونما غربلة. هناك كثير من المدارس والمؤسسات التعليمية في الوطن العربي تخلو من الكتب، كذلك البيت العربي الذي لا يفكر مهندسوه في المكتبة كمكون جوهري له بل الصالون والمطبع وغرفة النوم المكيفة، فكيف سنبتكر؟ وكيف سنطور أبحاثنا وكلياتنا ومعاهدنا لا تتوفر في الغالي على وسائل التجريب والتكوين؟ نحن لا نقرأ يقول الشاب العربي بصدق، ولاعبو الكرة والراقصات هم المكرمون في بلاد العرب، أما العلماء وطلبة العلم فيعانون الفقر والإهمال والتهميش.. نستورد كل شيء ونكسل حتى عن إطعام أنفسنا فكيف ينمو العلم في أرض جدباء.
"من قال أن العرب في ذيل قائمة الاختراعات؟! يعلق أحد المتصفحين العرب، فهل نسي أننا على رأس قائمة الانهزام والانبطاحية والتخلف والاختلاف؟! ويضيف معلقا "طبعا ليس ذلك لنقص في مقدراتنا وقدراتنا، ولكن لأسباب كثيرة متراكمة نعرف بعضها ونعاني منه في حياتنا العملية. ثم فالدول النامية/النايمة والعربية خاصة عندها براءات اختراع في الملكيات الوراثية والديمقراطيات القمعية، وأساليب القمع والتعذيب للمعارضين للأنظمة الاستبدادية... ودليل ذلك أن أمريكا ترسل بعض المعتقلين لديها إلى بعض الدول العربية للتحقيق معهم لانتزاع الاعترافات القسرية" لنتجرع الألم ثانية، عدد الصهاينة في فلسطين 6 مليون نسمة، سجلوا 1882 اختراعا. بينما العرب 300 مليون وسجلوا فقط 173. لذلك لم نندهش حينما حملت الأخبار، شراء روسيا طائرات بلا طيار من "إسرائيل"، "الهند تشترى قمراً صناعياً للتجسس من إسرائيل"، نعم الأمر لا يتعلق بكذبة أفريل، "روسيا ثانى أكبر ترسانة عسكرية في العالم تلجأ إلى إسرائيل التي أمدت جورجيا المنشقة بالسلاح، بلعت روسيا الإهانة الإسرائيلية والدعم الصهيوني لجورجيا، وقال رئيس أركانها نيكولاى ماكاروف: "منظومات الطائرات بلا طيار عندنا، لا تلبى احتياجات العصر، ونحتاج إلى إسرائيل!.".


تفاصيل الموضوع →

هكذا ينتهون !!


ليس مهما كيف يبدأون، سواء كانوا أباطرة أو قراصنة برتبة زعماء، فقد نشر مؤخرا عن موسوليني بأنه بدأ عميلا للانجليز بأقل من مئة باوند، وكان أدولف هتلر يحمل برميلا مليئا بالأصباغ التي تبقع ثيابه. ونابليون أخذ التاج من يد البابا ووضعه بنفسه على رأسه لفرط الغرور، وانتهى في سانت هيلانة لم يسمع الناس خبر موته إلا بعد شهرين على الأقل.. وأدولف هتلر أمر طبيبه الخاص دكتور مايلر بأن يحضر عبوة من الديناميت تفتت الجميع. عندما كانوا يختبئون في مكان ما. ومنهم أيضا براون عشيقته.

بقلم/ خيري منصور
نقلا عن/ جريدة الدستور

شاهات حملوا قبورهم وطافوا بها العالم وتسولوا من هذا البلد أو ذاك، أن يستضيفهم موتى، وبينوشيهات انحنوا حتى لامست رؤوسهم البساطير بعد أن فرضوا الانحناء حتى على الجبال وأشجار السرو والنخيل.
ومن الجانب الآخر.. لم يخطر بال كريستوفر كولومبوس مكتشف العالم الجديد أو زائر الليل كما سماه الكاتب الفرنسي ريجيه روبريه ان يعاقب على ما اكتشف، إذ سرعان ما حوكم وسجن، والسبب أتفه من أن يحاكم عليه حيوان صغير، وهو أنه لم يستطع أن يوقف البيضة على أحد طرفيها، ولم يخطر بباله أيضا أن شعوب أمريكا اللاتينية ستهوي على تماثيله بالمعاول بعد خمسة قرون من رحيله.
وفرديناند دليسبس الذي حصل على إذن من الخديوي بحفر قناة السويس ليصل بين البحر الأحمر والبحر الأبيض، كوفئ على مهمّته الشاقة بان سجن وهو في الثمانين من العمر ومات منسيا، ولم يخطر بباله أيضا أن جمال عبد الناصر سوف يستخدم اسمه ككلمة سر في قرار تأميم قناة السويس، بحيث يبدأ العسكريون والمتخصصون في تنفيذ التأميم فور سماعهم اسم ديلسبس، ويندر أن نجد في التاريخ مخترع أدوات تعذيب لم يعذب بها في النهاية، هذا ما يقوله راصدو التعذيب في التاريخ بدءا من ميشيل فوكو الفرنسي حتى هادي العلوي العراقي، والمثل القائل.. المهم من يضحك أخيرا ينطبق بدقه على أباطرة توهموا الخلود، وجنرالات اعتقدوا أنهم معصومون وقادة نسوا أنهم من البشر الفانين، أن من ضحكوا في البداية بكوا دما في النهاية، لأن ما قاله شاعرنا العربي عن الدول التي تدول.. ومن سره زمن ساءته أزمان هو تقطير لعذابات شعوب، بل هو رحيق الخبرة البشرية كلها.
وقد تكون نهايات الجواسيس في كل الأزمنة والأمكنة النموذج الأوضح لهذه الدراما البشرية، فهم غالبا ما يقتلون ويلفظون على الأرصفة كما يلفظ النوى بعد أن يتم استخدامهم وتنتهي مدة صلاحيتهم ، فعلها الانجليز والفرنسيون والأمريكيون والايطاليون وأخيرا الإسرائيليون مع من استخدموهم ملاقط وقفازات، وذلك تقليد رسخته القناعة بأن من يعرض نفسه للإيجار أو البيع لا ضمانة لبقائه في موقع ما لأنه يتبع التسعيرة ولا يعرف الولاء أو الانتماء إلا لغرائزه وجيبه ومعدته.


تفاصيل الموضوع →

أبطال عظماء أم باعة لصكوك الحرية!


قلائل هم الذين يستطيعون التعبير باتزان وثبات عن آراء تختلف عما يُروج له في مجتمعاتهم. أبناء أمتنا يعجزون حتى عن مجرد تكوين مثل هذه الآراء الثائرة. دور العلم عندنا كثيرة، غير أن العلماء ذوى النبالة والحكمة قلة نادرة. قاعات الدراسة عديدة، لكن الشباب المتعطش للحقيقة، المتشبث بروح العدالة، أقلية عزيزة المنال. الطبيعة، على ما يبدو، سخية بالمألوف من الأشياء، شحيحة بالثمين النادر.

بقلم/ حازم خيري
نقلا عن/ دنيا الرأي

إن كلاً منا، نحن البشر، على الأرض في زيارة عابرة، نجهل سببها، ولكننا نعتقد في قرارة أنفسنا أننا نحس ونُدرك هذا السبب! بالنسبة لي، أراني قانعاً اننا هنا من أجل أولئك الذين نستمد كل سعادتنا من ابتسامتهم وبهجة حياتهم، فلذات أكبادنا وأحباؤنا، وكذلك أيضاً من أجل الجمع الغفير من الناس الذين وإن كنا لا نعرفهم، تربطنا وإياهم روابط الرفقة الإنسانية. إننا هنا للدفاع عن الحرية، هدية الله للبشر.
الخصائص التي تتكون منها طبيعتنا البشرية، والتى تُميزنا عن بقية الكائنات المُحيطة بنا، إنما مُنحت لنا وأُعطيت كبذرة، يجب أن نستثمرها. الحياة رسالة(1).
حياتنا الداخلية والخارجية تعتمد على جهود معاصرينا وأسلافنا، ولذلك حتماً علينا أن نسعى ما وسعنا بأن نرد جميلهم بقدر ما نلنا ومازلنا ننال من ثمرات جهودهم. مظاهر النجاح الظاهري، كالرفاهة المادية والشهرة، كلها بضاعة تعسة.
هذه المقالة أعمد فيها إلى تشريح الفهم العربي لمفهوم البطولة، فلهذا الفهم ـ على ما يبدو ـ علاقة وطيدة بالتيه العربي الراهن والمُخيف في صحراء التخلف.
البطولة في الوجدان العربي:
حينما تمتليء روح إنسان إلى حافتها، فلا مفر من أن تسكب أحزانها وأفراحها على العالم وفي آذان الناس! مقولة مُلهمة للأديب الروسي الشهير مكسيم جوركي.
الوجدان الحُر، لا يعترف بالبطولة إلا لمن يجعل سبيله في الحياة تحرير الإنسان، لا استرقاقه، بغض النظر عن عرقه أو لونه أو عقيدته أو جنسيته..الخ.
البطل هو القمة المتوهجة في هرم ضخم من الولع بالحرية، وكلما اتسعت قاعدة هذا الهرم استطاع أن يستوعب المزيد من الحرية، وازداد اشراق الهرم وجماله، واصبح توهجه غير قابل للانطفاء. البطل هو من درب نفسه وملأها وحررها من أجل العطاء. إنه كأس لا قرارة لها، في امتلاء مستمر وطفح مستمر.
قدر الإنسان هو أن يكون حُراً، ولو أننا احترقنا بنار مضيئة، لخلفنا وراءنا ذكريات رائعة، تُُرجع الأجيال القادمة صداها. من تسكنه شهوة استرقاق العقول والقلوب، لا يصير بطلاً، وإن أحسن إلى الناس. البطل لا يسترِق من يُحسن إليهم.
قد ينجح بطل مزعوم في إطعام أبناء أمته، فلا يبقى جائع واحد..قد ينجح البطل نفسه في بناء المصانع، والمزارع، والمستشفيات، ودور العبادة..قد ينجح كذلك في إحراز الانتصارات العسكرية المُدوية، وفي بناء القنبلة النووية..قد ينجح هذا المُخلص الزائف أيضاً في محو أمية أبناء أمته، فلا يبقى أمي واحد..ويبث المدارس في ثنايا بلاده، فلا يبقى مواطن لم يتخرج في مدرسة أو معهد أو جامعة..وينشر المكتبات، والمسارح، حتى لا تبقى قرية لا تعمرها هذه الوسائل وغيرها! يفعل البطل الزائف هذا كله، ليصادر هدية الله لأبناء أمته، وليُمكِن للرق في العقول والقلوب..
وجود دور العلم، والمسرح، والمطبعة، والكتاب..الخ لا يكفي! المهم هو ما في دور العلم والمسرح والكتاب! لا يكفي أن توجد الجامعة، وهل ساعدت الجامعة عندنا على التمكين للحرية في العقول والقلوب؟! على العكس، إنها تُنتج مسوخاً مشوهة!
الإنسان في أمتنا، التائهة في صحراء التخلف، يتغذى وجدانه الكسير بمفهوم مُتحجر ومُبتذل للبطولة. إنه في حاجة مزمنة ومُهينة إلى يد حازمة، تتولى قيادته وتُمسك بزمامه. إنه يُسرف في تصور شخصية صاحب هذه اليد الحازمة وتحديد الصفات المطلوبة منه، وتشتط به أحلام اليقظة التي يتمثل فيها هذا القائد بطلاً، ومُنقذاً ومُخلصاً للأمة، يضرب التنين بسيفه، دون أن ينزل عن ظهر جواده! المُخلص القومي لا تنحصر زعامته في الحدود السياسية، إنه الأمل في إزالة هذه الحدود..
البطل العربي هو من يصنع الناس(2)، لا من يعلمهم كيف يصنعون أنفسهم!
من جملة من زار عالمنا العربي، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، رجل مفكر من الشرق ـ إيراني أو أفغاني، الخلاف في أصله خارج موضوعنا ـ، وملك من الغرب، ساهما بقوة في ترسيخ هذا الفهم العربي ـ المُشوَه ـ للبطولة.
كُتاب العرب ومؤرخوهم ينسبون إلى السيد جمال الدين الأفغاني انه قال، في معرض الحديث عن مصير أهل الشرق الذي رآه الرجل مؤسفاً، إن حاجة الشرق إنما هي إلى "مستبد عادل!". ولكن محمد المخزومي، الوجيه البيروتي الذي رافقه وتتلمذ عليه طويلاً وسجل أقواله وحكمه في كتاب قيم، يضع النص بشكل آخر: "لا تحيى مصر ولا يحيى الشرق بدوله وإماراته إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً عادلاً". و"خير صفات الحاكم القوة والعدل". ويضيف المخزومي انه سأل الأفغاني عن صحة ما ينسب إليه عن المستبد العادل، فأجابه بأن المطلوب هو القوي، لا المستبد العادل، لأن الاستبداد يتنافى والعدالة. ولعل الالتباس بين القولين يعود إلى مقال كتبه رفيقه محمد عبده في مجلة الجامعة في الإسكندرية في العام 1901، جعل عنوانه "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل"، وحدد فيه الأماني المعقودة على هذا المستبد العادل(3): يُكره المتناكرين على التعارف، ويُلجئ الأهل إلى إلزام، ويصهر الجيران على التناصف. وحدد عبده خمس عشرة سنة كفترة لابد منها لإنجاح حكم من هذا النوع.
محمد عبده، تولى منصب الافتاء في مصر، وجمعته صداقة بالمُحتل(4)!
على أية حال، ومهما يكن من أمر، فان قول الأفغاني، الذي ردده رفيقه محمد عبده من بعده، ذاع وشاع، بهذا الشكل أو ذاك، وأصبح أبرز وأدق تحديد في الأدبيات العربية المُعاصرة لمفهوم البطولة في الوجدان العربي. وأصبح لبنة أساسية في بنيان الفكر السياسي المعاصر الذي كان الأفغاني وعبده من واضعي أساساته. ولعل العصبية القومية ـ بحسب أنيس الصايغ ـ هي التي حملت بعض المؤرخين والرواة على نسب القول إلى ثانيهما، العربي، بدل أولهما بعد أن رأوا شيوع القول واشتهاره على ألسنة الناس. ولكن الأفغاني، وان لم يكن عربياً، كان مسلماً وكان شرقياً وكان شريكاً للعرب في التألم من الأوضاع المزرية وفي البحث عن سبيل للخلاص. وكان، فوق هذا، رائداً لهم في البحث وصاحب تأثير ملموس في صياغة فهمهم للبطولة.
أما الضيف الثاني على عالمنا العربي، فكان الإمبراطور الألماني وليم الثاني، المعروف عند العرب بغليوم! زار الإمبراطور الألماني خلال تجوله في البلاد السورية، كجزء من رحلته في السلطنة العثمانية خريف 1898، قبر صلاح الدين الأيوبي في جوار الجامع الأموي بدمشق، وكان القبر من قبل مُهملاً وشبه منسي! انحنى الإمبراطور أمام قبر صلاح الدين، ووضع عليه إكليلاً، ثم ألقى خطبة شهيرة. الإكليل هنا أدى دور تاج، على رأس صاحب القبر! بينما الخطبة التي أُلقيت أمام جمع من وجهاء البلاد ومسؤوليها، بويع فيها صلاح الدين رمزاً للبطولة العربية.
هذان هما الإسهامان الشهيران، في تأكيد الفهم العربي للبطولة، اللذان خلفهما القرن الـ19 لأجيالنا: شخصية صلاح الدين/المستبد العادل! اللافت هو أنه بمرور الزمن يقوى التخيل العربي لشخصية البطل المُخلص، حتى أصبح تعبيرا صلاح الدين والمستبد العادل عُنصراً رئيسياً في آلاف الخطب والمقالات ومادة حديث يتلهى بها الجميع، يلوكونها ويحللونها، بأصالة وافتعال، وبوعي أو بسطحية، حسب الظروف، وحسب نوايا أصحابها، وما يرمون إليه. فهمٌ مُشوَه للبطولة تكمن فيه مأساة أمتنا!
لماذا التشوه الحاصل في الفهم العربي؟
"الشرقي يحني رأسه في مذلة ومهانة أمام الغالب وأمام السيد، لكنه متوحش قاسٍ إزاء المغلوب ومن هو أدنى منه"! قناعة هيجلية، لشد ما ترتبط بموضوعنا.
لنتخيل ـ والكلام لهيجل(5) ـ رجلاً أعمى، يجد نفسه فجأة، وقد أصبح مُبصِراً، فيشاهد البريق الذي يشعه ضوء الفجر، والتألق المتوهج لطلوع الشمس!
إن أول شعور له هو نسيان، بغير حد، لشخصيته الفردية في هذا السناء الرائع المطلق ـ أي الدهشة التامة ـ. عندما ترتفع الشمس تقل هذه الدهشة، إذ يدرك الأشياء المحيطة به. ومنها ينتقل الفرد إلى تأمل أعماق وجوده الداخلي. وعند نهاية النهار يكون الإنسان قد شيد بناء أسسه من أعماق شمسه الداخلية. وهو حين يتأمل في المساء شمس الوعي الذاتي يقدرها أعلى بكثير من الشمس الخارجية الأصلية، لأنه يجد نفسه في علاقة واعية مع روحه، وهي لهذا السبب علاقة حرة. ونحن إذا ما وعينا هذه الصورة، لوجدنا أنها ترمز إلى مجرى التاريخ، إلى عمل النهار العظيم للروح. ضوء الروح إذن هو وعي الإنسان بالحرية الذاتية، أي الاستقلال، أو التعين الذاتي، أو تحديد الإنسان لنفسه دون تدخل شيء من الخارج! الروح تصل إلى مرحلة النمو الناضج، حين تكون مستقلة، وحين يصبح الفرد قانوناً لنفسه، فتتحقق حريته.
في آسيا أشرق ضوء الروح، وفيها أيضاً بدأ تاريخ العالم ـ الذي هو تدريب الإرادة الطبيعية الطليقة، بحيث تُطيع مبدأ كلي، وتكتسب حرية ذاتية ـ. ما أنجزه التاريخ لا يُشكل دائرة حول الأرض، لكن له شرق محدد هو آسيا! تاريخ العالم يتجه من الشرق إلى الغرب، فأوروبا ـ بحسب هيجل ـ هي نهايته، على نحو مطلق!
إننا ـ والكلام لهيجل بطبيعة الحال ـ نجد في الشرق طفولة التاريخ، حرية موضوعية لم تصل بعد إلى مرتبة الحرية الذاتية! فالأشكال الجوهرية تؤلف الصروح الرائعة للإمبراطوريات الشرقية التي نجد فيها جميع التنظيمات والأوامر العقلية، ولكن بطريقة يظل الأفراد فيها مجرد أحداث عارضة فحسب، إذ يدور هؤلاء الأفراد حول محور واحد هو: الحاكم، الذي يتربع على رأس الدولة بوصفه أباً للجماعة، لا بوصفه مستبداً! جبروت التصور الشرقي يكمن في الفرد الواحد بوصفه ذلك الوجود الجوهري الذي ينتمي إليه كل شيء، بحيث لا يكون لأي فرد آخر وجود منفصل، الحرية الذاتية تبحث عن سموها، لا في ذاتها، وإنما في ذلك الموضوع المطلق..
ينظر الشرقي إلى الأوامر والقوانين على أنها شيء ثابت مُحدد ومُجرد، يخضع له في عبودية مطلقة، ولا يتعين أن تلبي هذه القوانين أمانيه، وبالتالي فإن المواطنين يكونون أشبه بالأطفال الذين يطيعون آباءهم بغير إرادتهم أو بصيرتهم الخاصة! الحرية هنا موضوعية لا ذاتية! الدولة هي الحياة الروحية الكلية التي يرتبط معها الأفراد بمولدهم بعلاقة ثقة ويعتادونها ويتمثل وجودهم وواقعهم الحقيقي فيها.
الإنسان الشرقي يفتقر إلى البصيرة، والإرادة، والشخصية. إنه يفتقر إلى الحرية الذاتية، التي لا تتحقق إلا في الفرد، ولا تتجسد إلا في وعيه بحرية عقله وقلبه. إنه حُر بقدر ما يُسمح له، ولا يجرؤ على الدخول المُنفرد لملكوت الحرية.
قارئي الكريم، ثمة تناغم مُدهش بين الوصف الهيجلي للمجتمعات الشرقية ـ ومنها مجتمعاتنا العربية ـ، بأنها لا تعرف من الحرية إلا حرية الحاكم، أي حرية القوى الحاكمة، وبين قناعة مجتمعاتنا الكسيرة، انه انما ينهض بالأمة مستبد عادل، يتمتع وحده بالحرية الذاتية، بينما يُسمح لبقية أفراد المجتمع بالحرية الموضوعية..
الحالمون بالمُستبد العادل، في ثقافتنا، يفتقرون إلى البصيرة والإرادة والشخصية، وينفرون أيضاً ممن يسعى لاضاءة عقولهم وقلوبهم بمصابيح الحرية.
بعبارة أخرى، الوجدان العربي مُتشبع ـ كما أسلفت ـ بفهم مُتحجر ومبتذل للبطولة، الحرية فيه هبة، لكن ليس من الله، وإنما من المستبد العادل! الحالمون بالمستبد العادل/البطل المُخلص في أوطاننا لا يدخلون، بل لا يجرؤن حتى على مجرد التفكير في دخول ملكوت الحرية، دون اذن! البطل العربي بائع لصكوك الحرية!
هيجل ـ وكما هو واضح ـ يُرجع خفوت، أو انطفاء شمس الوعي بالحرية، داخل عقول وقلوب أبناء الشرق، ومنهم أبناء مجتمعاتنا العربية، إلى عدم وصول الروح إلى مرحلة النمو الناضج، ومن ثم عدم استقلالها، نظراً لإشراق سناءها الرائع المُطلق في آسيا، حيث بدأ تاريخ العالم، وغروبها في أوروبا، حيث ينتهي التاريخ.
أراني قانعاً بأهمية تثمين التفسير الهيجلي، للتشوه الحاصل في فهم مجتمعاتنا العربية للبطولة. ولسوف أبدأ رحلتي بعرضٍ موجز لبعض ملامح فكرنا الأنسني.
نحو تفسير أنسني لتشوه الفهم العربي:
ما أعنيه بـ "الأنسنية" هو أن يُحقق الإنسان، أى إنسان، أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقواله وأفعاله، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين لقول الأنسنية بأن الإنسان هو أعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص التالية(6): 1ـ معيار التقويم هو الإنسان. 2ـ الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة. 3ـ تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها. 4ـ القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه. 4ـ تأكيد النزعة الحسية الجمالية.
وطبقاً للمعيار المأخوذ به فى الفكر الأنسني، للتمييز بين الذات والآخر، يُعد الإنسان، أى إنسان، أنسنياً (ذاتاً أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد الإنسان ذاتاً حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتاً مغتربة ثقافيا(7). فالشائع في المجتمعات المتخلفة، ومنها مجتمعاتنا العربية، هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه.
المقصود بـ"الثقافة" هنا، وعلى خلاف الشائع، التعريف الأنثروبولوجي لها بأنها طريقة شاملة للحياة(8)، فلكل البشر، على تفاوت مراتبهم، ثقافاتهم الخاصة.
باستخدام المعيار الأنسني نفسه، المُشار إليه تواً،، يُعد آخراً كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهداً في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافياً بالأنسنية كفلسفة حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان الذات البائسة من جني ثمار الأخذ بها! ذلك هو الآخر(9)!
تطور التاريخ الإنساني ـ وبحسب ما يرويه لنا المؤرخون ـ لا يعدو كونه نتاجاً لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعاً ثقافياً، استناداً للتعريف الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فالآخر في فكرنا لا يرمي فقط لاحكام السيطرة الاقتصادية على الذات المغتربة، وإنما يتخطى ذلك ـ بلاإنسانية ـ إلى الحيلولة دون تمتع هذه الذات بحقها الطبيعي فى نقد وتطوير طريقة حياتها.
وأقول صراعاً معقداً، لتعدد جبهاته وتداخلها! فهناك الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر المُدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كفلسفة حياة. إنه صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات المغتربة، يُغذيه الآخر ويؤججه، فهو يُلقي في روع الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي للنيل من خصوصيتها الثقافية وتسعى لهدمها.
قارئي الكريم، ثمة إمكانية واضحة للحديث عن تناغم يُعتد به بين القول الأنسني بوجود صراع ثقافي مُعقد ـ أطرافه الذات الأنسنية، والذات المغتربة، والآخر ـ، وبين تشوه الفهم العربي للبطولة! وذلك على غرار الامكانية المُشار إليها في الجزئية السابقة، أعني إمكانية الحديث عن تناغم بين الوصف الهيجلي للمجتمعات الشرقية (ومنها مجتمعاتنا العربية)، بأنها لا تعرف من الحرية إلا حرية الحاكم، أي حرية القوى الحاكمة، وبين قناعة مجتمعاتنا، انه انما ينهض بالأمة مستبد عادل، يتمتع وحده بالحرية الذاتية، بينما يُسمح لبقية أفراد المجتمع بالحرية الموضوعية.
اتهامي للاغتراب الثقافي للذات العربية، والآخرية (خاصة العربية/المحلية)، بمسئوليتهما عن تشويه الفهم العربي للبطولة، لا يحتاج لاثبات، غير أني سأثبته!
الطرح الهيجلي، ورغم اقراري السالف بريادته وأهميته، مُخيف في تعاليه، ولا يخلو من عنصرية غربية ـ مُزمنة ولاأنسنية ـ! أليس يُرجع خفوت، أو انطفاء شمس الوعي بالحرية، داخل عقول وقلوب أبناء المجتمعات الشرقية، ومنهم أبناء مجتمعاتنا العربية الكسيرة، إلى عدم وصول الروح إلى مرحلة النمو الناضج، ومن ثم عدم استقلالها، نظراً لإشراق سناءها الرائع المُطلق في آسيا، حيث بدأ تاريخ العالم، وغروبها في أوروبا، حيث ينتهي التاريخ!! الطرح الهيجلي لا يخلو من غرض!
خفوت، أو انطفاء شمس الوعي بالحرية، داخل عقول وقلوب أبناء مجتمعاتنا العربية المُتخلفة ـ والذي تعتبره رؤيتي المُقترحة للفكر الأنسني اغتراباً ثقافياً ـ، ليس قدراً محتوماً، كما يُلمح هيجل في طرحه الرائد والمهم، وإنما هو صناعة الآخر الآثم (أعني الآخر العربي/المحلي، ومن ورائه الآخر الإقليمي والآخر العالمي).
منذ رحيل الاستعمار الأوروبي عن أرضنا الطيبة، يعمل الآخر المحلي جاهدا، وبشتى الوسائل والسبل، للحيلولة دون أخذ الذات العربية المغتربة ثقافيا بالأنسنية، كفلسفة حياة. الآخر المحلي واقعٌ كارثي، رغم جهل شعوبنا بوجوده..
الثائر المارتينيكي فرانز فانون يُنبهنا إلى ضرورة إدراك أن الاستقلال الوطني يُبرز وقائع أخرى كثيرة، هي في بعض الأحيان متباعدة، بل ومتعارضة!
فهناك دوماً أجزاء من المجتمع ـ الآخر المحلي ـ لها مصالح خاصة لا تتفق اتفاقاً كاملاً دائماً مع المصلحة الوطنية. والشعب، وان تبنى في بداية الكفاح تلك الثنائية التي أوجدها الاستعمار الغربي: العربي والغربي، يبيت لزاماً عليه أن يدرك أنه يتفق لعرب أن يكونوا أكثر آخرية من الآخر الغربي، وأن هناك فئات من السكان لا يحملها إمكان ارتفاع راية وطنية وإمكان قيام أمة فتية على التنازل عن امتيازاتها وعن مصالحها. كما يبيت لزاماً على الشعب أيضاً أن يدرك أن هناك أناساً من بني وطنه لا يتمسكون بمصالحهم فحسب، بل ينتهزون كذلك فرصة النضال لتعزيز وضعهم المالي وقوتهم. فهم يتاجرون، ويحققون أرباحاً طائلة، على حساب شعوبهم.
المناضل الذي يجابه بوسائله البدائية آلة الاستعمار الجهنمية/آلة الآخر الغربي، لا يلبث أن يكتشف أنه بقضائه على الاضطهاد الاستعماري يساهم في خلق جهاز استغلالي آخر، وهو اكتشاف مؤلم وشاق ومثير. فقد كان الأمر بسيطاً للغاية في البداية، كان هناك في نظره أشرار من جهة، وطيبون من جهة أخرى. أما بعد الاستقلال الوطني، يحل محل الوضوح الأول ظلام يفصم الوعي. إذ يكتشف الشعب أن ظاهرة الاستغلال البغيضة يمكن أن تأخذ مظهراً غربياً أو عربياً. لذا، على الشعب أن يتعلم كيف يُندد بالآخرية المحلية، وأن يترك تلك النظرة التبسيطية الساذجة، التي كان يتميز بها إدراكه للآخر. تلك هي وصية فانون للمُعذبين في أرضنا الطيبة(10).
الآخر العربي/المحلي واقع كارثي حقاً! أليس هو ـ وياللحسرة ـ من يتمتع وحده، ودون بقية أبناء مُجتمعه، باشراق شمس الوعي بالحرية، داخل قلبه وعقله! أليس هو من يُنتج الثقافة السائدة! أليس هو من يحول دون نقد وتطوير الفهم المُشوه للبطولة! الآخر العربي/المحلي يعلم جيداً أن تأبيد الفهم العربي المُشوه للبطولة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعمية الذات العربية الحائرة عن الأنسنية، وادامة اغترابها الثقافي!
عوامل عديدة تساعد الآخر، على بلوغ غايته، ، أذكر منها العوامل التالية:
العامل الأول: افتقار ثقافتنا العربية الإسلامية لظهير فلسفي يُعتد به. فأبناء مجتمعاتنا العربية، وعلى خلاف أبناء مجتمعات أخرى ـ كالمجتمعات الأوروبية ـ، لم يمروا بتجربة "النقاء الفلسفي". الشعوب العربية قبل الإسلام لم تعرف التفلسف.
العامل الثاني: تسيد فلاسفة الضِرار للدوائر الفكرية والأكاديمية في مجتمعاتنا المتخلفة(11)! إنهم يقللون من أهمية نُشدان الحقيقة، ويُشيعون العُقم الفلسفي، فأقصى ما يستطيعه فلاسفة الضِرار هو فهم الفلسفات القائمة والتشدق بمقولاتها! إنهم، جنباً إلى جنب مع محترفي التبرير الديني، يُلقون في روع الذات العربية المغتربة أن عليها أن تختار بين طريق الدين وبين طريقة في الحياة لا تحرص إلا على إشباع الغرائز والرفاهة المادية! بهذه الحيلة الشيطانية، يبدو سالكو طريق الدين، في مجتمعاتنا المتخلفة، على أنهم الوحيدون المهتمون بالروح، وأنهم المتحدثون الوحيدون عن الله وعن المثل العليا: الحب والحق والعدل! وهو ما يُسيء للفلسفة والفلاسفة، بوصف الفلسفة ـ إلى جانب الدين ـ أهم وأبرز الطرق المُتاحة أمام البشر لنُشدان الحقيقة!
العامل الثالث: إحجام أبناء ثقافتنا عن الاشتغال بنشدان الحقيقة. وهو ما يسر للآخرية العربية/المحلية سطوها على الدين، بل وتمترسها وراءه، في خسة ونذالة، لحماية مكاسبها الضخمة وامتيازاتها الهائلة، على نحو مؤلم ومُستفز، دون الالتفات للضحايا الذين نجحت في تكريس اغترابهم، وألقت في روعهم، أنهم بتنازلهم عن حرية عقولهم وقلوبهم، ووضعها تحت أقدامها، يتقربون إلى الله، ويشترون الجنة!
العامل الرابع: حرص الآخر العربي/المحلي الشديد والكارثي على أن يُعامَل الإسلام (كحضارة كاملة) مُعاملة الأصل الديني للإسلام! أولاً: لأن الآخر العربي هو من يُنتج الثقافة الدينية! ثانياً: لأنه لا يجوز ولا ينبغي للإسلام(كحضارة كاملة)، أن يحظى بامتياز الحُرمة والقداسة، الذي يُعترف به، وأنا أفعل، للأصل الديني للاسلام!
صحيح أن الإسلام كحضارة كاملة نشأ وتطور في كنف الأصل الديني للإسلام، بيد أنه لا يصح أن ينسحب امتياز الحُرمة والقداسة الذي يُعترف به للأصل الديني للإسلام على أمور هي من صميم الإسلام كحضارة كاملة، أعني التاريخ والسياسة والقانون والأخلاق والفن..الخ! أمور حياتية كهذه لا يصح أن تُشفر ضد النقد والتطوير! فحياة الإنسان في حراك دائم، ومن يحلم بتأبيد اللحظة يُراود المستحيل(12)، ويُورث نفسه وأبناء حضارته الهوان! على نحو ما يحدث لأمتنا!
العامل الخامس: التواطؤ أو على الأقل التوافق المصلحي المُخز، بين الآخر العربي/المحلي وبين نظيريه الاقليمي والعالمي! والذى لولاه ما تحقق ولا استمر النجاح المُذهل للأول، في تكريس اغتراب الذات العربية، أي تكريس تنازلها عن حقها في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، وذلك عبر آليات منها البوليسي، والتعليمي، والإعلامي، إلى جانب ما اصطُلح على تسميته بالديني، نسبة إلى الدين، والدين منه براء! تبعية أوطاننا للآخر العالمي/الغربي ـ وما يصاحبها من هدر للثروة والكرامة ـ تصير حتماً جحيماً لا يُطاق، إن غابت جهود الآخر العربي/المحلي، فهو الذى يُقنع الذات بحتمية التمادي فيها، مُستخدماً القوة الناعمة تارة، وتارة أخرى القوة الخشنة!
مظاهر التواطؤ أوالتوافق المصلحي عديدة، لعل أبرزها: 1ـ تكريس الاغتراب الثقافي. 2ـ النهب المنهجي للثروة النفطية. 3ـ إضعاف الذات الفلسطينية، وهدر دمها. 4ـ تلاسن نسخ الآخر العربي حول ممالأتها إسرائيل والغرب(13).
العامل السادس: وثوق شعوبنا العربية المُغتربة في الآخر العربي/المحلى، وقبولها باحتكاره لحق نقد الثقافة العربية الإسلامية وتطويرها. وهو ما نجد له تفسيراً في تصور جوستاف لوبون لسيكولوجية الجماهير(14). فنسخ الآخر العربي/المحلى لم يكن لها أن تستمر في احتكارها لحق نقد الثقافة العربية الإسلامية وتطويرها، لولا أنها تُحسن توظيف مقولات لوبون! إنها تعي جيداً ـ على ما يبدو ـ قول جوستاف لوبون: إن الجمهور قطيع طيع، لا يستطيع حياة بلا سيد! وظمؤه إلى الطاعة شديد، حتى إنه ليخضع غريزياً لمن يُنصب نفسه زعيماً عليه! إنها أيضاً تعي قوله: إن الجمهور ليس مجرماً وليس فاضلاً سلفاً، وإن انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة، إنما يقضي على التمايزات الشخصية ويخفض من مستوى الملكات العقلية..
العامل السابع: الدور المهم الذى تلعبه الزعامات المحلية (سياسية كانت، أم دينية، أم فنية، أم كروية، أم إعلامية..الخ)، والتي يسميها لوبون محركي الجماهير، في إحكام السيطرة على الذات العربية المُغتربة، ودفعها في سلاسة وهدوء نحو الشرك الذي أعده لها الآخر الغربي/العالمي! إذ لا يكاد يخلو قطر عربي من زعامة محلية أو أكثر، تُحاط بسياج مخيف من الهيبة والجلال، وتتمترس خلفها كل قوى القهر والآخرية! ولهذه الزعامات أن تناوش الآخر العالمي والآخر الإقليمي من حين لآخر، بهدف مغازلة مشاعر الذات العربية المغتربة، وكذا تعزيز شعبيتها الجارفة!
هل ثمة أمل في الخلاص؟
صحيح أن مجتمعاتنا غارقة إلى أذنيها في التخلف، وصحيح أن فهمها للبطولة يتسم بالتحجر والابتذال، وصحيح أنها تُعول في خلاصها على مشعلى حرائق التخلف وباعة صكوك الحرية، كل هذا وأكثر صحيح، ولا سبيل لانكاره! إنه عارنا الثقيل، وميراثنا المُر! غير أن في مقدور الأبطال العظماء، لا باعة صكوك الحرية، أن يُضيئوا مصابيح الوعي بالحرية، فتتبدى لشعوبنا الكسيرة سوءة اغترابها الثقافي، وقُبح الآخرية ـ خاصة العربية/المحلية ـ. معرفتنا بالحرية تُشعرنا بازدواج وضعنا في الكون. فنحن مخلوقون وخالقون. وحياتنا ما هي إلا تدريب على فن الابتكار(15).
ولنتذكر دائماً: أن الحرية المغروسة في العقل والقلب السليمين، كالحبة المُلقاة في الأرض الطيبة، تُثمر وتُعطى أُكلها! وأن الأبطال أبداً لا يُميتون غرس الحرية!

الهوامش:

ـــــــــــ


(1) العبارة للمُفكر الايطالي الشهير متسيني راجع: جوزيبي متسيني، ترجمة طه فوزي وسامي محفوظ، واجبات الانسان، (القاهرة: دار الكرنك للنشر والطبع والتوزيع، سلسلة الألف كتاب، رقم 325، 1962).

(2) المفكر المصري الراحل عباس محمود العقاد استاء بشدة، من عبارة قالها جمال عبد الناصر ـ الرئيس المصري الراحل، وأحد أبرز وأشهر الأبطال في الوجدان العربي المعاصر ـ، يوم اطلاق الرصاص عليه في ميدان المنشية بالاسكندرية.."أنا الذى علمتكم الكرامة..وأنا الذى علمتكم العزة"! للاطلاع على نص تعليق العقاد على مقولة ناصر، راجع: عادل حمودة، النكتة السياسية ـ كيف يسخر المصريون من حكامهم، (القاهرة: دار سفنكس للطباعة والنشر والتوزيع، 1990)، ص 107.

(3) استند الكاتب في تأصيله لمعنى البطولة في الوجدان العربي المعاصر إلى هذا المرجع: أنيس الصايغ، في مفهوم الزعامة السياسية ـ من فيصل الأول إلى جمال عبد الناصر، (بيروت: منشورات جريدة المحرر والمكتبة العصرية، 1965).

(4) راجع مذكرات العملاق عبد الرحمن بدوي: عبد الرحمن بدوي، سيرة حياتي ـ الجزء الأول، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000)، ص46ـ52.

(5) استند الكاتب في عرضه لرأي هيجل في مجتمعاتنا الشرقية، على هذا المرجع: هيجل، ترجمة إمام عبد الفتاح امام، محاضرات في فلسفة التاريخ ـ العالم الشرقي، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1984).

(6) راجع: حازم خيري، "بناء الذات الأنسنية"، مقالات في الفكر الأنسني، كتاب منشور على الانترنت.

(7) للمزيد عن الاغتراب الثقافي للذات العربية، راجع: حازم خيري، الاغتراب الثقافي للذات العربية، (القاهرة: دار العالم الثالث، 2006).

(8) ت. س. إليوت، ترجمة شكري عياد، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003) ، ص 170 ـ 171.

(9) للمزيد عن مفهوم الآخر في الفكر الأنسني، راجع للكاتب: تهافت الآخر، كتاب منشور على الانترنت.

(10) لمعرفة المزيد عن آراء فانون، راجع: فرانز فانون، ترجمة سامي الدروبي وجمال الاتاسي، معذبو الأرض، (الجزائر؛ بيروت: منشورات آنيب & دار الفارابي، 2004).

(11) حول فلسفة الضِرار، راجع مقالتي: "فلسفة الضرار واقع كارثي"، منشورة على الانترنت.

(12) راجع مقالتي: "إشكالية الوافد والموروث في الثقافة العربية"، منشورة على الانترنت.

(13) للمزيد راجع: حازم خيري، "محنة شعوبنا ادراكها الساذج للآخر"، تهافت الآخر، م. س. ذ.

(14) لمعرفة المزيد عن آراء لوبون حول سيكولوجية الجماهير: جوستاف لوبون، ترجمة هاشم صالح، سيكولوجية الجماهير، (بيروت: دار الساقي، 1997).

(15) العبارة لهوكنج، راجع: وليام أرنست هوكنج، ترجمة متري أمين، معنى الخلود في الخبرات الانسانية، (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1982).



تفاصيل الموضوع →

قراءة في رواية شجرة المسرّات


شجرة المسـرّات " سيرة ابن فضلان السرّية " للروائي محمد الأسعد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004.. هي سيرة تجربة صوفية تجاوزت تجارب الحلاج والبسطامي وابن عربي .. تتكون من تسعة عشر فصلا ً يحمل كل فصل عنوانا ً مستقلا ً .. تعتبر الرواية ذات تقنية أبداعية عالية وتجريب روائي منطلق الآفاق .. رواية من نوع جديد يلتقي فيها الشعر بالسرد وبالواقعية التاريخية والإسقاط الزماني والمكاني ...

بقلم/ توفيق الشيخ حسين
نقلا عن/ دنيا الرأي

مضى على صدور الرواية ستة أعوام ولم تجد الاهتمام النقدي والأكاديمي التي تستحق مثلها مثل الرحالة " أحمد ابن فضلان " .. لم يعرف عند العرب بصورة أوسع ولم يأخذ حظا ً كبيرا ً في المؤلفات العربية.. إنه معروف على نطاق ضيق في الأوساط العربية وعلى رغم من ذلك فإن رحلته هذه اكتسبت أهمية كبرى في الثقافة الغربية وأشتهر في أوروبا أكثر من أي رحالة عربي آخر.. فرسالته المعروفة باسم " رسالة ابن فضلان " تـُرجمت إلى لغات أوربية عديدة مثل "الانجليزية والألمانية والروسية والسويدية والفرنسية وغيرها" وتناولها في البحث والتقصي أكثر من باحث في أكثر من بلد في البلدان الأوربية ...
يقول " آدم يوسف ":
" إن المفارقة التاريخية تبدو عميقة ومذهلة حين يتعلق الأمر بشخصيات من القرن العاشر الميلادي تعيش بيننا, وتقول الكلام الذي نخشى أن نقوله"...
هي سيرة " أحمد بن العباس ابن رشيد ابن حماد ابن فضلان " عالم أسلامي وأديب وشاعر من القرن العاشر الميلادي كتب ووصف رحلته كعضو في سفارة الخليفة العباسي " المقتدر بالله " إلى ملك الصقالبة ( بلغار الفولجا ) ...استغرقت رحلة أبن فضلان ثلاث سنوات عبر فضاءات جغرافية من بغداد إلى إيران فأواسط آسيا فبلاد بلغار الفولجا أو أرض الصقالبة إلى الأراضي الروسية واسكندنافيا والخزر .. وعندما عاد إلى بغداد قام بتسجيل وقائع رحلة السنوات الثلاث باسم "رسالة ابن فضلان".. وقد سجل أحداث الرحلة ومشاهدها من بلاد وآماكن وأنهار في وصف بارع يضعه في الصف الأول من الرحالة الجغرافيين الأدباء.. فجمع بذلك بين فن الرحلات والجغرافيا والطبيعة ...
يبدأ "الأسعد" في سرد المسـرّة والتعرف على أصل ابن العلوي من ضمن عدة حكايات كونه ملازم ّ لأبن فضلان.. تتحدث المخطوطة والناس والباحثون والراوية عن تحولات روحية آلمت بأحمد بن فضلان بتأثير حياته في بغداد العباسية في فترة شهدت ذروة ازدهارا لحضارة العربية – الإسلامية كما شهدت بداية الانحدار الحضاري في الوقت نفسه" ...
تبدأ من كونه راهب بوذي جاء مبعوثا من الهند والسند وأكثر ما أدهش الناس إنهم رأوه يحضر الصلاة في المساجد, وحلقات العلماء .. أو نبطيا من مدينة عين التمر أو سافانا الآرامية القديمة لإجادته العربية وارتدائه اللباس العربي وسمرته ذات الأصل الصحراوي الذي سفعته الشمس...
في عصر نقلت فيه الجن الناس إلى ما وراء جبل قاف.. أو من بغداد ذاتها ومن باب الطاق تحديدا ً ..
ويحـل ّ " الأسعد " لغز الغموض وموضع الشك حين وصلت إلى معهد اللغات الشرقية في " بطرسبرغ " مخطوطة شعرية تضمنت أرجوزة تروي حكاية شاب أطلقه إلى السفر لغز ٌ في نبوءة , مما جعل " كراتشكوفسكي " بكشف سـر ّ هذه الشخصية في رسالة المسـرّة بالتعرف على عرافة موهوبة بقراءة الطالع ومعرفة الكواكب تطلبه أو تطلب رأسه .. فيسألها النجاة , فتجيب وصوتها يكتسب رقة الماء نعومة حتى لم يعد يـُسمع له جرس ّ بل صلصلة نائية:
"إذهب غريبا ً إلى حيث لا تكون أرض ٌ, ولا يكون بحر ٌ, وحيث لا يكون ليل, ولا يكون نهار " .
وفي كل ذلك يظل ابن العلوي يقظا ً دائما ً يحاذر أن تدخل أشباحه من البوابات.. بوابات أحلامه وخيامه وأساطير حياته التي بدأ يعيشها بصحبة معلمه..
وحين تنتاب ابن فضلان لحظات تتبدل فيها أحواله وتتساقط الأفكار مثلما تتساقط الأوراق عن شجرة , ولا يبقى إلا نسغها ليعيد الحياة مجددا ً ويبث الحيوية في كلماته ..
من يعرف من أين تأتي الأفكـار؟
بعضهم يقول من مدن الماضي وطرقاتها المتقاطعة في أعماقنا, بعضهم يقول من موانئ مشغولة لم نهبط فيها بعد , وبعضهم يقول من رنين الكلمات حين تتجاور وتتداخل , بعض يقول من قراءة العلامات , لكن أبن فضلان يقول إنها تأتي من الصحراء ومن صحراء الحجارة تحديدا ً...
ابن فضلان عانى تجربته وأبرز ما فيه الرؤيا المزدوجة لعالم العقل الإنساني وعالم ما فوق العقل " الظاهر والباطن " أو لعالم الأبعاد المتوسطة, وعالم الأبعاد العليا, وهي الازدواجية نفسها التي عكستها الأحداث " فصل أساتذة بطرسبرغ "
هل فقدت الطبيعة عقلها ؟
لم تكن الطبيعة هي التي فقدت عقلها في ذهن الشيخ عيـّاد الزهراوي وهو يقطع شارع " نيفسكي " في بطرسبرغ بخطوات واسعة لأن الطبيعة لم تكن أمام بصره, ولا في ذهنه , منذ أن غادر سهولها وجبالها الموحشة بل وحتى سماواتها الصامتة قبل ثمانمائة عام , واستقر معلما في حلقات المساجد وناسخا ً للمخطوطات وجامعا ً للأمثال والطرائف ونوادر المجـّان ومصححا ً للأخبار أو مفسرا ً لها ...أن التأريخ هو الذي فقد عقله في نظر الشيخ وليس الطبيعة , المكتوب لا الملموس , معاني الكلمات لا دلالاتها , التأريخ بأحداثه ومجراه المألوف , ومعه يومياته واهتماماته, وكأن القائم حوله عيـان ّ لا يراه ولا يصغي إليه , أو هو لا يستطيع مخاطبته لسبب ٍ ما.
علينا التقدم بروّية ٍ إذا أردنا لحكايتنا أن تحكى بسرعة , وعلينا الانتظار, لأن الطرائد تأتي بسرعة إلى الصياد كما تقول الأمثال الروسية ...
لقد رصد ابن فضلان الواقع بكل ما فيه من محاسن ومساوئ وقد صدمه كثير من المشاهد , ويحكي ما يروي بصراحة وبأسلوب مشوق واضح لا مجال للخيال عنده..
لعل طموح ابن فضلان كان يؤجـّجه هذا الحدس ُ بوجود صورة ٍ مختلفة للتفكير والحياة , نعرفها إذا خرجنا على الخط المستقيم , ووحدانية إما هذا أو ذاك , فقال بالتجاور والتماكن والتزامن, فانبثق من كل هذا معنى جديدّ للوجود في نفسه وفي ما حوله , بل ومعنى جديد ّ للموت والحياة , للألم والمسرّة, للأسى والبهجة , كأن الوجود معه تحـّول َ إلى شجرة ِ مسرّات .
يقول الكاتب " ياسين النصير " :
" مخطوطة ابن فضلان, أعني سيرته هي جمع لثقافة انتشرت وعم انتشارها الحقول فنبتت هنا وهناك في التاريخ وفي الجغرافية , في كتب الفلاسفة وفي قصائد الشعراء, ولأنها سيرة, والسيرة ليست طريقة سرد نقية دائما تداخل الشعر فيها بالحكي وتداخلت الفصحى بعامية التدوين , وأصبح لكل النصوص موسيقى الرصد والمتابعة وثمة حزن ينمو داخل السياق وكأنه يغمرنا في معنى التلاشي في ما كان ابن فضلان قد كتبه , هذا التلاشي الذي تجسد في تكرار الرواية والسرد جعل المخطوطة وما فيها موزعة على الأمصار والمدن والخرائط كما لو كان جسدا ً هندوسيا ً قد احرق بعد موته ووزع ترابه على كل الأنهار " ..
الصمت هو الذي بدأ يتخلل الكلمات, أو أن الكلمات هي التي بدأت تغور فيه مثلما تغور النجوم في الليل الحي ّ , فلا تطفو سوى الظلال , ظلال ما كان وما سيكون ..
وأخيرا ً يؤكد " الأسعد " بفضل الرحلة في تدوين اكتشافات حضارية نادرة ..ويسطرّ ون اسم أبن فضلان بحروف بارزة في تاريخ التواصل الحضاري واعتبارها نقلة نوعية في فن كتابة الرحلة العربية التي كانت غارقة في مفاهيم السرد فنقلها إلى مستوى التحليل الأثنوغرافي لشعوب وقبائل لم يكن العرب يعرفون عنها شيئا ً .. بل لم يكن العالم يعرف عنها شيئا...


تفاصيل الموضوع →

شجرة ليمون..

في ذلك النهار كانت الأرملة الفلسطينية سلمى (هيام عباس) بطلة الفيلم الإسرائيلي "شجرة ليمون" إنتاج 2008 ، على موعد مع صراع عند تخوم بيّارة الليمون التي هي كل ما تمتلك، وكان وزير الدفاع الإسرائيلي هو الطرف الآخر في الصراع، وحظ سلمى العاثر جعلها في مواجهته، عندما قرر أن يستقر وزوجته في بيت جديد بمحاذاة بيارتها، فأصدر قرار بإزالة أشجار بيارة سلمى بما قد تُشكل خطرا على أمنه، حيث من الممكن أن يتسلل من خلالها إرهابيون.
منذ تلك اللحظة ستبدأ سلمى بمساعدة المحامي رحلتها في الدفاع عن حقها والإصرار على حماية أشجار الليمون التي ورثتها عن أبيها من أن تُخلع، والتي تشكل مصدر رزقها الوحيد.
هذا الصراع الذي تقدمه كاتبة النص الفلسطينية "سهى عراف" والمخرج "عيران ريكليس"، المحسوب على اليسار الإسرائيلي، من المفترض أنه يكتسب أهميته بما يمثل على نطاق أوسع الصراع العربي الإسرائيلي، وحيث حال سلمى يشبه حال الشعب الفلسطيني الأعزل الذي تم احتلال أرضه بالقوة، فإن تنتصر سلمى لبعض حقها في نهاية الفيلم وتكسب قضيتها ولو جزئيا، قد يُقرأ على أنه بارقة أمل تضع الأمور في نصابها حيث لا بد أن يعود الحق لأصحابه الفلسطينيين إن هم تفانوا بالدفاع عنه، الأمر الذي جعل الكثير من الكتاب العرب يهللوا للفيلم، بعد عرضه الأول في برناله الـ 58، كما رحب الغرب بالفيلم أيضا باعتداله في تقديم صورة العربي والإسرائيلي والصراع الدائر بينهما.

بقلم/ رانية عقلة حداد
نقلا عن/ الفوانيس السنيمائية

لكن عند إلقاء نظره أعمق ستتضح من خلالها معالم أخرى مغايرة لتلك التي هلل لها هؤلاء الكتاب العرب، معالم يجب الالتفات لها وعدم إغفالها، أهمها حين يُقدَم وزير الدفاع الإسرائيلي كإنسان متفهم لعلاقة سلمى- تلك المواطنة الفلسطينية البسيطة- بأرضها وأشجارها، إلا أن تحقيق أمنه الشخصي أولوية تحتم عليه وتدفعه مرغما لاستصدار قرار يلحق الضرر ببيارتها التي من الممكن أن يختبئ فيها الإرهابيون الفلسطينيون، ثم تمضي الأحداث بالتركيز على نضال سلمى في الحفاظ على أشجار الليمون وترك فكرة الفلسطينيين الإرهابيين كتفصيلة غير رئيسية إنما كحقيقة مفروغ منها للمشاهد، وبذلك وهنا المهم يكرس صناع الفيلم صورة المقاومة والمقاومين الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقهم وأرضهم المحتلة كإرهابيين، وبأن الإسرائيلي هو صاحب الحق في هذه الأرض وليس المُغتصِب بالتالي من البديهي أن تكون أولوياته حماية هذا الحق وحماية نفسه من هؤلاء الناس، وفي الطريق قد يتضرر فلسطيني أو إسرائيلي فليس المقصود هنا إلحاق الضرر بسلمى لأنها فلسطينية على أساس التمييز العنصري، فلو كانت إسرائيلية ولديها بيارة كهذه تشكل خطرا على الأمن سيستصدر نفس القرار بحقها.
ولعل الممثلة هيام عباس أصابت من حيث لا تدري – أو تدري- حين تحدثت في إحدى أمسيات عرض الفيلم فقالت: " إن قصة الفيلم يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم"، وهذه نقطة أخرى مهمة حيث الصراع بين سلمى والحكومة الإسرائيلية، لا يٌقدَم كصراع له خصوصيته بين إسرائيلي محتل قوي، وبين فلسطيني صاحب حق مُغتَصب وضعيف، إنما كصراع عادي يحدث في ظروف طبيعية في أي يوم، وفي أي بقعة من العالم بين أبناء الوطن الواحد، بين مواطن بسيط لا ظهر له يسنده، وبين أصحاب نفوذ في حكومته الوطنية، وبذلك انتصار سلمى بالنهاية هو انتصار لهذا الإنسان البسيط، وبالتالي هنا تتجلى عدالة ونزاهة القضاء الإسرائيلي عندما ينتصر للحق وللإنسانية.
كما يُجمّل الفيلم صورة المُحتَل ويزوقها بتقديمه تارة كإنسان رقيق وحساس مثال ذلك زوجة وزير الدفاع المتعاطفة مع سلمى والتي تساندها في قضيتها، وتارة أخرى بتقديمه كإنسان لا يهمّه سوى إبراز الحقيقة مهما كلف الأمر، مثال ذلك الصحفية الإسرائيلية التي سعت إلى إبراز قضية سلمى في الصحف الإسرائيلية وتقديمها بشكل موضوعي دون تحيز أو تمييز مما أدى ذلك إلى إحراج وزير الدفاع أمام الرأي العام.
في أحد المشاهد تحاول زوجة الوزير الإسرائيلية المبادرة بكسر الحاجز الأمني والنفسي مع الآخر العربي بالذهاب لزيارة سلمى، لكن يحول رجال الأمن الإسرائيلي دون نجاح هذه المحاولة، في المقابل سلمى تذكر بودّ كيف إن زوجة الوزير اعتذرت عن محاولة سرقة الليمون في ليلة الاحتفال الذي أقامه زوجها الوزير في بيته، وغير ذلك هناك الكثير من الإشارات الجلية في الفيلم لتقديم فكرة التعايش كفكرة ممكنة وحل معقول لكلا الطرفين وعليهما أن يستجيبا لها، وإلا بالنتيجة سيعيش كل طرف من جهته في عزلة تامة كما يصورها المشهد النهائي في الفيلم، حيث يرتفع جدار الفصل العنصري عاليا ويعزل سلمى كما يعزل وزير الدفاع الإسرائيلي تماما، بالنتيجة القضية والمشكلة كما يطرحها اليسار الإسرائيلي تكمن فيما يسميه "الإرهابيين" – المقاومة الفلسطينية الشرعية- فـ"بقاؤهم" سيحول دون التواصل العربي الإسرائيلي والعيش بسلام معا، وكأن القضية ليست بالأساس تكمن في وجود كيان إسرائيلي لا يمتلك الشرعية ولا الحق في الوجود على هذه الأرض الفلسطينية وأنه هو –الكيان الإسرائيلي- السبب في كل هذا الدمار وهو أصل المشاكل.




تفاصيل الموضوع →

الاثنين، 17 مايو، 2010

القصة المذهلة .. لإخضاع البشرية


كثيرة هي الكتب التي نشرت عن الصهيونية ونشاطها العالمي ومؤامراتها ضد مختلف الدول والبشرية بشكل عام.. ولكن هذا الكتاب فريد من نوعه، فكاتبه أمريكي نال مركزاً سياسياً مرموقاً، دونه بعد دراسة دقيقة وتحريات واسعة عبر سنوات طويلة. إنه (جاك تني)، عضو مجلس شيوخ ولاية لوس أنجلوس سابقاً، ورئيس لجنة شكلت لمهمة خاصة، قدم كتابه قائلاً:

(إن هذا الكتاب ليس إلا صرخة لأبناء الولايات المتحدة والغرب والعالم أجمع، يحذرهم من الصهيونية التي تسعى للسيطرة على البلاد وتغيير معالمها، وتدمير الأمم والقضاء على كافة الأديان..)

(إنها القوى الصهيونية الخفية التي ورطت أمريكا في الحروب العالمية والحروب الفرعية الأخرى !! والقوى الصهيونية هي التي ستكون السبب في حرب عالمية ثالثة لإخضاع الدول العربية لإسرائيل وجعلها دويلات قزمة تدور في فلكها)


الأخوة الزائفة


القصة المذهلة للمكائد والديبلوماسية الخبيثة

لإخضاع البشرية والسيطرة عليها...
ترجمة : أحمد اليازوري

تأليف/ جاك تنيّ عضو مجلس الشيوخ الأمريكي

إنها قصة الصهيونية واليهود عبر التاريخ، ونشاطاتهم ومنظماتهم العالمية والمحلية، والأدوار التي لعبوها في إثارة الفتن والحروب ونشر المبادئ الهدامة، ودخول كل الميادين وتوجيه الصراعات من خلف الستائر، وكانت حكمتهم تقول (السيطرة على الملك أفضل من الجلوس على العرش).

وتعود قصة هذا الكتاب إلى سنة 1953 عندما أحست حكومة ولاية كاليفورنيا بأمريكا أن نشاطات غريبة وسرية وقوى خفية تسيطر على اقتصاد الولاية والنشاطات الحيوية فيها، فأوكلت إلى (جاك تني) وعدد من زملائه مهمة جمع المعلومات وتقصي الحقائق. وكان المؤلف أثناء بحثه يتلقى التهديدات بالموت ومضايقات سافرة وصلت إلى حد التلصص على هاتفه وشن حملات عليه في الصحافة.. ولكنه واصل البحث والتقصي، وكانت التقارير تجمع والمعلومات تتجمع، ولكنها كانت تتعرض للسرقة والحرق، لكن المؤلف ثبت حتى تجمعت كل المعلومات، وما أن أوشك على تقديم التقرير الضخم للحكومة حتى اختفى كل شيء. لكنه دون ملخصاً لذلك في كتاب ما كاد يخرج من المطبعة حتى اختفى من السوق.

فقد أحرقت الصهيونية والأجهزة الحليفة لها في العالم كل نسخ هذا الكتاب عندما صدر في الولايات المتحدة، ولم تبق منه إلا نسخ أقل من عدد أصابع اليد، منها هذه النسخة والتي كان للأستاذ (الصالحين نتفه) الجهود الموفقة في الوصول إليها عن طريق صديق للمؤلف نفسه.. وقد قمت بترجمته على حلقات في صحيفة (الفاتح) الليبية، ثم أعدت ترجمته للنشر إيماناً بأن من الواجب أن يوزع على نطاق عربي وعالمي.

يتابع المؤلف في فصول الكتاب المتتالية تحليل الشخصية اليهودية من خلال التلمود، كتابهم المقدس المليء بالخرافات والحقد على كل ما هو غير يهودي، والعداء لكل الشعوب الأخرى.

ويروي قصة تأسيس الصهيونية على يدي هرتزل، ويفصل في عرض وتقصي النفوذ المالي اليهودي في الغرب على أيدي أسرة آل روتشيلد ودور اليهود وبعض أفراد هذه الأسرة في الحرب العالمية الأولى والثانية، وكيف تحالفوا مع النازية في بداية الثانية، ثم ميلهم الواضح إلى الحلفاء عندما أدركوا رجحان كفتهم، ويبين كيف دفعوا (الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية ضد الألمان، تماماً كما حدث سنة 1917، ولو لم تتدخل الولايات المتحدة لما كان الصهاينة يحتلون اليوم أراضي العرب الفلسطينيين).

ويكشف (تني) دور يهود روسيا من الحركة الصهيونية العالمية، ويعود مع التاريخ إلى (يهود خزر) الذين اعتنقوا اليهودية في نهاية القرن الثامن عشر وتعصبوا لها كما لم يتعصب لها قوم آخر من اليهود.. ومنهم في روسيا، وعلى أيديهم قامت الثورة الشيوعية، وقادوا هم مظاهرات الخراب والدمار، وعندما افتلتت زعامة الكرملين من أيديهم هاجر الكثير منهم إلى الولايات المتحدة حاملين معهم نفس المبادئ والتعصب العجيب، وعاشوا فيها قوماً داخل أحياء (الغيتو) مع العمل في نفس الوقت على التخريب داخل المجتمع الأمريكي والسيطرة على اليهود، وعلى الكثير من أوجه الحياة فيها. ويعري المؤلف النشاطات السرية الصهيونية هناك وتنظيماتهم المتعددة العاملة تحت ستار محاربة معاداة السامية والافتراء، ودورهم في السيطرة على الإعلام الأمريكي، وخاصة الإذاعات ودور النشر، وتوجيه السياسة الأمريكية ومهازل انتخابات الرئاسة.. ثم يبين وسائل الصهيونية في السيطرة على اليهود الأمريكيين وابتزاز المال ونشر الرعب بينهم وإيهامهم أن الأشباح تطاردهم ولا سبيل لهم إلا التضامن مع المؤسسات اليهودية.

ويتحدث المؤلف عن مأساة (اغتصاب الأرض المقدسة)، وأساليب اليهود الإرهابية هناك، وكيف لعبت أمريكا وبريطانيا الدور الأكبر في قيام إسرائيل، وكيف كتب اليهود نص وعد بلفور ومن أوصله إلى الرئيس الأمريكي ليمليه على حكومة (صاحبة الجلالة) البريطانية.

وهناك حقيقة تخفى عن معظم الناس، وهي أن سنة 1897 شهدت مولد منظمتين يهوديتين الأولى: (الجمعية الاشتراكية اليهودية) لتدمير الحكومات والأديان والسيطرة على العالم. والثانية (المنظمة الصهيونية العالمية) للاستيلاء على فلسطين. ويبين المؤلف كيف أقام اليهود النظام الرأسمالي الربوي ودعموه في الغرب، وقادوا الثورة الشيوعية في الشرق، وذلك كله للسيطرة على العالم ومد أخطبوطهم في كل مكان.

وإذا كان المؤلف يؤكد على الصلة بين الشيوعية والصهيونية فهذا أمر واضح. وإذا كانت الصهيونية وإسرائيل حليفة للغرب ولأمريكا بالذات، فلأن مصالحها تتحقق بذلك التحالف. وإذا كان هناك عداء يبدو بين إسرائيل والكتلة الشيوعية، فلأن المصالح تباعدت، ولكن تبقى الحقيقة الكبرى، وهي أن الصهيونية تتحالف مع كل شيطان أينما كان، وتسير حيث مصلحتها ومصلحة اليهود في كل مكان، وفي نفس الوقت تبقى التنظيمات اليهودية منتشرة في كل مكان، ويظل لها نفوذ في الشرق والغرب لا ينكر.

إن المطامع الصهيونية لا تقف عند حد ولا تقنع بحيز ولا مكسب محدود.. وإذا بدا للبعض أن إسرائيل ستقنع بجزء من فلسطين والأرض العربية وأنها مستعدة للتعايش مع العرب وتريد السلام، فإن ذلك سراب خادع.. فاليهود مازالوا تحت سيطرة أحفاد يهود خزر، ومازالوا يحملون في قلوبهم عبارة التوراة (شلت يميني إن نسيتك يا أروشليم). ويردد رئيس وزرائهم اليوم، بعد توقيع اتفاقيات (كامب ديفيد): (شلت يميني إن تخليت عنك يا أورشليم).

أحمد اليازوري

سبتمبر 1978

المؤلف

مؤلف هذا الكتاب هو (جاك ب. تني)، ولد سنة 1898 في ميسوري بالولايات المتحدة. وقد انتقل مع والده إلى لوس أنجلوس، وخدم في القوات الأمريكية بفرنسا ونال وسام الشرف سنة 1919.

كان في مستهل شبابه يميل إلى الموسيقى والبيانو بشكل خاص حتى برع فيه، ولكنه سرعان ما هجر الموسيقى وأصبح مهندساً معمارياً، غير أنه كان أصلاً يميل إلى التاريخ، ودرس القانون وأصبح أستاذاً فيه، ثم دخل مهنة المحاماة حتى وصل إلى المحكمة الأمريكية العليا سنة 1945.

ولما كان ذا شخصية لامعة، تحررياً في أفكاره السياسية، فقد كان هدفاً للقوى السرية العاملة على تدمير حركة العمال وحكومة الولايات المتحدة. ولكنه رفض الخضوع، فكان أن هزم في كل محاولات الترشح لمراكز قيادية في النقابات. وكانت تلك التجربة هي التي وضعته وجهاً إلى وجه مع الحركة السرية التآمرية، وظل ثمانية عشر عاماً يدرس ويبحث ويتحرى حتى توصل إلى ما توصل إليه عن القوى الصهيونية الخفية التي تجتاح الولايات المتحدة وتتحكم فيها.. ثم قضى ثمانية عشر عاماً أخرى في الحياة الوظيفية والخدمة العامة تأكد له فيها ما توصل إليه سابقاً.

في سنة 1936 انتخب في المجلس التشريعي بولاية كاليفورنيا حيث استمر لمدة ست سنوات. وفي سنة 1942 انتخب ممثلاً لمقاطعة لوس أنجلوس في مجلس شيوخ الولاية وظل حتى هزم سنة 1954. وبعدها تولى جمع مادة هذا الكتاب مع اللجنة المكلفة.. وعانى في ذلك ما عاناه حتى كانت محاولة قتله، لكنه نجا جزئياً إذ ظل يعاني من الشلل.. وفي الستينات ظهر هذا المؤلف لتطويه بسرعة الأيدي الخبيثة...

مقدمة المؤلف

لقد أنعم الخالق على الإنسان بقوة العقل والتعليل، وحباه القدرة على تحقيق إرادته حسبما يمليه عقله وضميره.. هذا الإنسان يتمتع ساعة مولده بشعور غريزي للمحافظة على بقائه، ويمتد ذلك الشعور للمحافظة على أسرته وعشيرته ووطنه. ولا تستطيع إلا أعتى المؤثرات الشريرة طمس هذه المواهب الإلهية، ومن المشكوك فيه أن تقدر كل القوى الخبيثة على فعل ذلك والاستمرار فيه زمناً طويلاً. إن الطفل سرعان ما يتعلم أن النار تحرق، ولا بد من بذل جهد كبير لإقناعه بعكس ذلك، طالما ظل يحمل آثار حروق تجاربه الأولى. غير أن الجنس البشري، لسوء الحظ، لا يحتفظ بآثار جروح وحروق التجارب والدروس المستقاة من التاريخ، ويظل كل جيل يتعرض للمعاناة من الحروق القديمة المتكررة.

والواقع أن التاريخ يعلم مختلف الشعوب دروساً مختلفة عن ظرف واحد وواقع متكرر واحد. والذين ينشدون القوة عن طريق السيطرة على الأمم يتعلمون من أخطاء الذين حاولوا قبلهم وفشلوا في محاولاتهم، فينتبهون للأخطاء ويتجنبون تكرارها. أما الذين لا يريدون لأنفسهم الاضطهاد والاستغلال فإن بوسعهم أن يتعلموا أساليب من قاوموا الاضطهاد والاستغلال ونجحوا، وتطبيق ذلك في محاولاتهم للتحرر والانعتاق.

وبينما يتواصل امتداد التاريخ في مشهد شامل متكامل الفصول والأحداث، يتضح فشل المصابين بجنون العظمة، لأن الأمة التي يريدون استعبادها تستطيع اللجوء إلى سيوفها وقواتها، لأنها عرفت كيف ترد الضربة. ومع ذلك فالأمة التي تهزم لا تخضع للعبودية لأنها تعرف الحرية وتتذكر حلو طعمها، وتثور عندما تواتيها الفرصة، والفرصة لا شك تأتي دائماً.

إذن، ما الدرس الذي يستفيده الذين يريدون السيطرة في يومنا هذا ؟ هل هناك طريقة جديدة ومختلفة يمكن بها إخضاع الناس ؟

إن الصراع اليوم يتميز بأنه يهدف إلى السيطرة على عقول الناس وعواطفهم. فوسائل الدعاية العالمية تخضع لتوجيه الذين يرمون إلى تسيير النخبة العالمية وتوجيهها، وتستخدم في ذلك الثورة والإرهاب بشكل مفرط. لذا نجد السياسي الخانع ينفذ ما يمليه عليه أسياده الذين يستطيعون رفعه أو دق عنقه كما شاءوا. أما الفاشلون والمخيبة آمالهم والمتمردون والتائهون فهم أدوات طبيعة في أيدي من يريدون استخدامهم لإفساد العقول وتمييع الأخلاق. لذا نجد الاستبدادية (الدكتاتورية) تتقدم على ألف جبهة، تلبس أقنعة مختلفة، حسب كل حال وموقف.

إذا كانت (الخيانة) كلمة قبيحة، ومعرفة تعريفاً واضحاً في دستور الولايات المتحدة، فإن (عدم الولاء) ليس له تعريفاً في الدستور، فتقديم المساعدات والسلوان لأعداء الوطن زمن الحرب لا يعتبر مجرد عمل يثير الاشمئزاز في نفس المخدوع، بل ويولد الاحتقار في قلب العدو، وربما يؤدي إلى كارثة. ولكن ما هي أعمال الخيانة الأشد دهاء وهولاً ؟ أليست هي التنازل عن الاستقلال والسيادة المكتسبتين بعد عناء شديد ؟ تنازل واستسلام بدون مقاومة ؟ الاستسلام لمن ؟ ولأي شيء ولأي سبب ؟ (لتجنب الحرب والانفجار المحتمل لقنبلة ذرية !) هذا هو الجواب.

إذا أمكن إقناع البشرية أن الشر خير وأن العبودية استقلال، فلن يرغب أحد بعد اليوم في أن يكون خيّراً أو أن يكون حراً. وإذا كان من الفطنة أن يصبح الإنسان مجرد شيء ثانوي في الآلة الجماعية، لا فرداً يتمتع بالكرامة الإنسانية، فإنه سيقنع بدور بسيط، أو لا يبالي مطلقاً بما يدور حوله. وإذا كان أسمى مفهوم ديني هو إنكار الله وعبادة المادة باعتبارها أعظم دين، أصبح الكل ملحداً بعيداً عن أي ولاء للعقيدة. وإذا ظلت معاني المفردات القديمة كما هي، بينما يجري بالتدريج عكس وقلب الظروف والحالات التي تصفها، أصبح من الممكن إجبار الجنس البشري على السير لتكبيل الأصفاد وحجب نور الحقيقة عن عينيه.

إن قلب المفاهيم عند الشعب وتحويل تفكيره السليم يتطلب الجهد الكبير، ولكن هذا يجري بسرعة، ويمكن أن يتحقق. وإذا أردنا تدوين عمليات القلب والتحويل الجارية على تفكير الشعب الأمريكي احتاج الأمر كتاباً ضخماً.

لما كان الأطفال، بطبيعتهم واستعدادهم للتأثر، سريعي التأثر، فإنهم بالتأكيد هم ضحايا حملات الدعاية وسمومها. والأطفال لا شك رجال المستقبل الذين يؤثرون على سير الانتخابات، وبمقدار النجاح في توجيه تفكيرهم يكون التحول في اتجاههم السياسي. وعندما يزول طموح التنافس نتيجة الدعاية الجماعية وسيطرتها وحدها، تتوقف الجهود الفردية والرغبة في التنافس والفوز، وحيثما تنعدم الجهود تنعدم الإنجازات، وحيثما يطمس الدين تنعدم الأخلاق، وبدون الأخلاق لا توجد الأسرة ويعم الشقاء المجتمع، ولا تبقى إلا الدولة.. وأفضل نوع من الدول التي تضم مجتمعاً بلا دين ولا وجه هي (الحكومة العالمية).

ولكن، ماذا عن الذين يخططون لهذه الشرور ؟ وكيف ينجون ؟ ما سوء عاقبة ما يبيتون لبقية الجنس البشري ؟ ألا يصنعون وحشاً سوف يقدم في النهاية على القضاء عليهم ؟ لكنهم لا يخافون.. فهم يعتقدون أنهم أحكموا خططهم، ويتجنبون بحذر شديد الحفر التي حفروها للآخرين. ونجدهم كذلك يتمتعون بمقدرة فطرية يكاد يستحيل معها أن يزاولوا ما يدعون غيرهم إليه وما يبشرون به. فبينما ينفقون ملايين الدولارات للدفاع عن الاندماج العنصري، ويتجنبون بمهارة فائقة مصاهرة غيرهم من الأجناس. وبينما يبشرون بالمبادئ العالمية، يزاولون أسوأ لون من التعصب القومي. وإذا كانوا يشهرون بمساوئ التعالي الجنسي، فهم في نفس الوقت يدعون أنهم شعب الله المختار. وبينما يستنكرون الاضطهاد والتعصب والحرب، نراهم عندما يتسلمون زمام أشد السلطة الناس مزاولة للاضطهاد وأكثر الناس تعصباً وأشدهم حباً للحروب، ونجدهم يمولون حروباً لا يخوضونها بأنفسهم ثم يخرجون وكأنهم هم المنتصرون. وهم يعيشون منذ ألفي سنة كأمة واحدة داخل الأمم، ليس لهم علم أو بلد. ورغم ما يقولونه من خيبة أمل ونكسات وعداوات صريحة من جانب الأمم التي عاشوا بينها، نتيجة سوء أفعالهم، مما وصمهم بالتحقير، لكنهم ظلوا مصممين على متابعة مخططاتهم الشريرة التي رسموها.

لقد أغلقت، تقريباً، كل سبل الخلاص من العبودية (الذي وضعه اليهود على رقبة أمريكا) ويقيمون عليها حراسات مشددة، وأن مجرد اقتراب أدنى الناس شجاعة من هذه السبل يبعث ألف صوت وصوت من أصوات النفير والإنذار. أما الذي يحاول الخلاص فإنه يلاقي مصرعه على أيدي من يريد مساعدتهم. وأما الذين يعرفون الحقيقة أو يفطنون إليها فإن مصيرهم هو التشهير بالجنون. إن القوى الشريرة لا تحب أن يسقط الشهداء في محاربتها لأن الشهداء أبطال، والأبطال ينجبون الزعماء والأتباع ! ويمكن القول باختصار (إن من الخطر الكفاح من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال ـ من أجل دستور الولايات المتحدة).

كان لا بد من تأليف هذا الكتاب، سواء أكانت المنظمات المخربة المقصودة تتشكل من سويديين أو إيرلنديين أو إنجليز، تماماً كما كان يجب وضع الكتب عن الفاشيين في إيطاليا، والنازيين في ألمانيا، والبلشفيين في الاتحاد السوفياتي. وإذا ألفت الكتب عن الإيطاليين أو الألمان أو الروس لا نجد روح الحقد على الإيطاليين أو الألمان أو الروس كأفراد، أو على دياناتهم أو أجناسهم أو أصلهم العرقي. وكذلك الشأن بالنسبة لليهودية. إن ما يقدم إنسان على فعله يكون مبعث مدحه أو لعنه. فلا يمكن اتهام كل الألمان بجرائم هتلر، وليس الإيطاليون جميعهم مسئولين عن أعمال موسوليني، ولا تتهم كل الروس بما فعله ستالين أو الشيوعية.

وكذلك لا يلام كل اليهود بسبب تعصب الصهيونية، ولا يحملون كلهم مسئولية سياسة ونشاطات منظماتهم ووكالاتها. ولكن، وفي نفس الوقت، لا يوجد من بين مئات المنظمات اليهودية الأمريكية المنتعشة في الولايات المتحدة اليوم إلا منظمة واحدة يمكن اعتبارها أمريكية الولاء بشكل واضح. فقد رأينا عند (المجلس الأمريكي لليهودية) من الشجاعة ما دفعه لإعلان ولائه السياسي للولايات المتحدة والولاء الروحي لليهودية. ولذا فقد واجه الإهانات وسخط الصهاينة جزاء وطنيته، وقد كتب (موريس لازرون) في إبريل سنة 1952 في (أخبار المجلس) وهي النشرة الرسمية للمجلس الأمريكي لليهودية، يقول:

(لا يحق للفرد اليهودي شخصياً أن يتخذ قرارات يمليها عليه التفكير الوطني، ... ويجب أن يكون كل ما يقال أو ينفذ يهدف لمصلحة الشعب اليهودي ودولة إسرائيل).

إنه مما يسعد معظم اليهود الأمريكيين أن يندمجوا في الحياة الأمريكية، وأن يكونوا يهودا في الأمور التي تتعلق بالمشاعر فقط وأمريكيين في كل ما سوى ذلك.. والواقع أنه لو ترك لليهود الأمريكيين الحرية لما رضوا بأن يكون ولاؤهم لدولة أجنبية. لقد كانت الولايات المتحدة في وقت ما منارة الأمل ليهود العالم، وقد تدفقوا إليها من إسبانيا والبرتغال، ومن ألمانيا وهولندا بعد الثورة الأمريكية، وكذلك من أوروبا الشرقية بمئات الألوف في بداية القرن. وقد تركوا فرحين مساقط رؤوسهم، سعداء بتنشق هواء الحرية النقي.. وولت أيام الشرطة السياسية والملفات المتراكمة. وقد كان بنجامين فرانكلين أول المسيحيين الذي تبرعوا بسخاء لكنيس فيلاديلفيا وتلاشى بالتدريج حقد وكبرياء العالم على اليهود.

غير أن اليهود عندما دخلوا أمريكا بنوا أحياء (الغيتو)(1) والتي كانت مستعمرات لقوم يتحدثون نفس اللغة الأم، ويتمسكون بنفس التقاليد والعادات والدين. وقد كان يسكن هذه الأحياء اليهود الذين سكنوا أحياء (الغيتو) الأوروبية المسورة، والذين حاربوا التحرر الفردي وأصروا على نوع جديد من (الغيتو) أسموه (الأمة اليهودية). وأصبح ذلك الاتجاه هو روح الصهيونية الأمريكية ـ القوة الدافعة للصهيونية العالمية.

كانت كلمة (صهيون) أصلاً اسماً لمعقل (جبوسايت) الذي ربما كان الجزء الجنوبي من التل الشرقي في القدس. وبعد أن احتلها داود، بنى الهيكل فوقه، ثم امتد الاسم حتى يشمل التل بكامله. ومع الزمن أصبح الاسم مرادفاً لمدينة القدس..

لقد جاءت الصهيونية نتيجة التعلق بصهيون، مما دفع اليهود الذين نفوا إلى بابل إلى إعادة بناء الهيكل، وألهب الحماس في كفاح المكابيين (أسرة عبرية) ضد (أنتيوكس إيبفانس).

ورغم توالي القرون لم يفتر إيمان اليهود في (تجميع المشتتين) في فلسطين والسيطرة على العالم، وأن (لا بد أن يسود قانون صهيون). ولم يتغير شيء بالنسبة لليهود إلا تفسير الوسائل التي تحقق ذلك الهدف، وسائل جديدة للهدف القديم، وخطة مركزة بأسلوب علمي حديث، ولا داعي لبرامج وخرائط توضح الاستراتيجية، بل يكفي أن يكون الفهم الضمني أساساً للكنيس. ولم يكن الهدف اليهودي من إقامة السلطة الإسرائيلية على نطاق عالمي في فلسطين خطة (معترفاً بها) لاكتساح العالم لا في أذهان اليهود أنفسهم، وحسب تفسيرهم السري للتوراة والتلمود. ولقد ظل الوجود اليهودي نفسه طيلة ألفي سنة يشبع بهدف ذي حدين: تدمير الحضارة المسيحية وإقامة إسرائيل كقوة مسيطرة تحكم العالم بأسره. (الفصل الأول والثاني من هذا الكتاب).

وقد أكد رئيس وزراء إسرائيل السابق بن غوريون في حديث له بمدينة نيويورك في 29 من مايو 1951 بأن إقامة الدولة اليهودية الجديدة (إسرائيل) ليس هو غاية أحلام الصهيونية، وأن الحركة الآن أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

وأدلى لويس د. برانديس، من المحكمة الأمريكية العليا، ببيان صريح ومكشوف عن الأهداف اليهودية، ولكن قل من يتوقف ويتريث لتقصي حقائق الأمور.

ولقد رأينا التعلق الصهيوني بموسكو والمغالاة في حب فلسطين يسيران جنباً إلى جنب، ولم يجرؤ إلا القليل على لفت الأنظار إلى هذه الحقيقة(2). وهذا (دبنو) المؤرخ اليهودي، يعلن أن عقيدة الاشتراكية قد نمت مع العقيدة القومية الصهيونية (على خطين متوازيين)، وبهذا أوضح ما يتحتم أن يتوصل إليه كل خطاب يختص في دراسة هذا الموضوع. ومن أوضح الأمثلة على هذه الحقيقة هو (موسى هيس)، الحاخام الشيوعي، وصهيون (الجمعية الاشتراكية اليهودية) (الفصل السادس).

إن للفلسفة الماركسية والفلسفة الصهيونية أصل واحد، فكلاهما أداة لهدم الدين، وازميل لتفريق الشعوب وتشتيت مواطنيها. والماركسية فلسفة ملحدة هدفها مسخ الإنسانية إلى وحش فظيع، وهي عقيدة كره وعنف وسفك دماء، وما صيحة (الإخوة) و(المساواة) إلا شعارات خادعة وزائفة تؤدي إلى الحقد الطبقي والعبودية. وحيثما سارت الشيوعية نجد الأخ يكره أخاه، ونجد في طريقها جبالاً من القتلى وأنهاراً من الدماء، وهي عندما تبشر بالعالمية فإنما تهدف إلى إطفاء جذوة الروح الوطنية لكي لا يقاوم ضحاياها الغزو، وليس (المجتمع الخالي من الطبقات) الذي تدعو إليه إلا عالماً من العبيد والأسياد.

وقد ظلت مبادئ الشيوعية الخبيثة منذ (الإعلان الشيوعي) سنة 1918، تجد من يروج لها في كل مكان، وقد طورت وسائلها وأساليبها، وقام بذلك رجال دهاة في كل أرجاء العالم. والملاحظ أن المهاجرين اليهود حملوا مبادئها إلى الأماكن المزدحمة في (المنفى)، حيث صقلتها (الجمعيات الاشتراكية اليهودية)، وحقنت فيروسها في دماء الشعوب الأخرى. وأن فلسفتها اللاإنسانية تحمل سمة قابيل، وقد جردت ماديتها العالم من مثله وجاءت لنا بعصر الحيرة، ويعد أسلوبها المخادع جزءاً هاماً من الخطة، وربما الخطة نفسها.

ولا بد أن نوضح في هذا التحليل بأن اليهودية العالمية، مع أنها الوسيلة، إلا أنها ضحية هذه المخططات، كمثل بقية الشعوب. ومع أن اليهودية العالمية ربما تكون الوسيلة، فإن المسؤولين من الأمم الأخرى هم الأداة. وعندما نتفحص قوائم المخربين والمدمرين نجد الأسماء اليهودية تفوق كل ما عداها من الأسماء، ولكن قل من يشير إلى ذلك، خوفاً من الاتهام بمعاداة السامية.

إن من ينتقد اليهودية المنظمة يجابه دوماً بصيحة (معاداة السامية) حتى لو كان المنتقِد من اليهود أنفسهم.

وعندما يظهر هذا المُؤَّلف سيقابل بنفس الصيحة. ورغم أن الصهيونية حركة سياسية واقتصادية فلن يمنع ذلك اليهود من الرد مدعين بأن النقد يستهدفهم دينياً وعرقياً.

إن قضية (الحرية في مزاولة الدين) تقتضي دوماً حرية الضمير، حرية الإيمان بأي عقيدة أو عقائد دينية دون مساس بحريات الآخرين. وتشمل حرية الضمير هذه حق ممارسة المبادئ الأخلاقية لهذه العقائد في الحياة اليومية. ومع ذلك فالحريات الدينية، كغيرها من الحريات، ذات صلة دائمة بحريات الآخرين، أما الاعتقاد بخلاف ذلك فهو تدمير للحضارة.

وينطبق هذا على الإيمان باليهودية كدين، وهناك حقيقة تاريخية مذهلة، وهي أنه (لم يشك أحد قط من الجانب الديني البحت لليهودية).

لقد خدعت الأمم غير اليهودية دائماً بقبولها جميع النشاطات اليهودية على أنها (أعمال دينية)، والواقع أنها كانت دوماً درعاً متعدد الأغراض، وكانت في بعض الأحيان سلاحاً ذا قوة هائلة لا تصدق.

وفي الولايات المتحدة اليوم شبكة من منظمات التجسس والدعاية الصهيونية، تتجسس على اليهود وعلى غير اليهود، وتنشر الدعاية المؤثرة على الطرفين، ويتعرض اليهود الأمريكيون إلى الاستغلال دوماً فيدفعون عشرات الملايين سنوياً لدعم الوكالات المتعددة التي تضاهي بميزانياتها الإدارات الحكومية.

وقد بدأ الشعب الأمريكي يطرح الأسئلة وبدأ يطالب بالإجابة عليها، ولن يقنع إلى الأبد بظواهر الأمور.

لقد قادت هذه الدراسة والبحث إلى معرفة بعض الخفايا التاريخية التي كاد يستحيل الوصول إليها، وجاءت النتيجة كقصة مذهلة بل وصاعقة، ولكنها حقيقة لا يمكن نقضها أو تفنيدها. غير أنها ستواجه بالتأكيد، بالقمع بكل وسيلة ممكنة، وستبذل الجهود لتدميرها ومنعها من النشر والانتشار واطلاع الناس عليها. ولو فشلت هذه الجهود أو فشلت جزئياً فسوف تستغل كل وسائل الاتصال للنيل من المؤلف. وستلجأ القوى الخبيثة إلى استعمال كل الوسائل وأساليب السخرية، ومن المحتمل تماماً أن تنجح هذه الجهود، ولكن شيئاً واحداً لن يتم: فلن يحاول أحد تفنيد حقائقه أو مواجهة تحديه بنقاش صريح.

(1) ـ الغيتو هو الحي المنعزل ذي الأسوار العالية الذي اعتاد اليهود الحياة فيه منفصلين عن غيرهم من السكان الآخرين.
(2) ـ لقد كان الصهاينة من أبرز قادة الحركة البلشفية والثورة الشيوعية في روسيا، وظلت الحركة الصهيونية تعول الكثير على موسكو، وكان اليهود المهاجرون من روسيا للولايات المتحدة هم أول من بشر بالماركسية هناك।
ولم تتبدل العلاقات الروسية ـ الصهيونية إلا بعد أن اتخذت إسرائيل خطاً واتجاهاً حاسماً في تحالفها مع الولايات المتحدة


منقول عن موقع مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

تفاصيل الموضوع →

 

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.