الاثنين، 17 مايو 2010

المسلمون في العقل الأميركي




افتتح كريستوفر كولومبوس (1451-1506) يومياته التي كتبها وهو في طريقه إلى القارة الأميركية، بالثناء على ملك وملكة اسبانيا فرديناند وإيزابيلا اللذين بعثاه في رحلته الاستكشافية. ومما امتدح به كولومبوس ملك وملكة اسبانيا، أنهما "أكثر الملوك التزاما بالمسيحية"، وأنهما "أعداء دين محمد وكل الضلالات والبدع الأخرى"، حسب تعبيره، وأنهما أجهزا على بقية المسلمين في اسبانيا من خلال السيطرة على مدينة غرناطة "حتى لقد رأيت بأم عيني أعلامكما الملكية ترفرف على قصر الحمراء... ورأيت ملك المسلمين يخرج من بوابة المدينة ويقبِّـل أيديكما"[1].
وهكذا حمل المهاجرون الأوربيون الأوائل إلى القارة الأميركية معهم في سفنهم العابرة للأطلسي تراثا ثقيلا من التحيز ضد الإسلام هو حاصل قرون مديدة من الصراع بين المسلمين والمسيحيين الأوربيين في الشام ومصر والأناضول والأندلس. وتدل كلمات كولومبوس في يومياته على أن الصورة النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين وصلت إلى أميركا مع وصول كولوبوس نفسه. بيد أن هذه الصورة السلبية تعمقت أكثر في القرون التالية كما سنرى في هذه الدراسة.ويمكن البحث عن جذور الصورة النمطية للمسلمين في العقل الأميركي من خلال مصادر متعددة من أهمها:

خطب وكتابات رجال الدين الأميركيين الأوائل وما أثاروه في جدلهم الداخلي من إشارات إلى المسلمين، وما أوردوه من طعون وردود ضد الإسلام.

الوثائق السياسية والدبلوماسية، مثل خطابات الرؤساء الأمريكيين الأوائل، والمعاهدات بين أميركا ودول المغرب العربي، والرسائل الدبلوماسية ذات الصلة.

السير الذاتية التي كتبها العبيد الأميركيون في الجزائر وليبيا عن تجربتهم في الرق في البلاد الإسلامية، وانطباعاتهم عن الأرض والسكان والثقافة.

قصص الرحالة الأميركيين الأوائل إلى فلسطين، وأكثر هؤلاء من المسافرين بنِية الحج إلى الأرض المقدسة أو نشر الديانة المسيحية.

ولعل حقبة الذروة في اهتمام الأميركيين الأوائل بالإسلام والمسلمين كانت العِقد الممتد بين 1785 و 1795. ففي هذه الأعوام اختطف الجزائريون والليبيون بضعة مئات من الأميركيين العابرين في سفنهم التجارية البحر الأبيض المتوسط واتخذوهم عبيدا.

وقد بعثت الدولة الأميركية الوليدة السفير جوول بارلو (1754-1812) ثم السفير ويليام شيلر (1778-1833) لافتداء العبيد الأميركيين من الحاكم العثماني للجزائر. وقد كتب بعض العبيد الأميركيين السابقين في الجزائر عن تجربتهم المرة في الاسترقاق، جمعها المؤرخ بول بايبلير في كتابه "عبيد بيض وسادة أفارقة"[2]، وتحدث كل من الرئيسين واشنطن وجفرسون عن هذه الأزمة في خطابات رسمية، وترك السفير بارلو رسائل بالفرنسية بعثها من الجزائر إلى زوجته روث بارلو المقيمة آنذاك في مدينة مارسيْ الفرنسية، وألف السفير شيلر كتابا بعنوان: "شذرات من الجزائر" صدر عام 1826، كما صدر عملان أدبيان على الأقل عن الموضوع، وهما رواية بيتر ماركو المعنونة "الجاسوس الجزائري في بنسلفينيا" التي صدرت عام 1787، ومسرحية روزانا راوسون المعنونة "عبيد في الجزائر" التي صدرت عام 1794.

ومن المهم التذكير هنا أن الأميركيين كانوا يرتكبون ضد المسلمين في غرب إفريقيا من القرصنة والاسترقاق ما لا يقارن بما عاناه مواطنوهم في شمال إفريقيا. فالعبيد الأميركيون لم يتجاوز عددهم بضع مئات، والعبيد الأفارقة وصل عددهم الملايين، منهم حوالي ثلاثين ألف مسلم من السنغال وغامبيا وغينيا، كما وثق ذلك المؤرخ آلان أوستن[3].

الاستعمال الجدلي للإسلام:

إن رؤية الأميركيين الأوائل للإسلام لا تختلف عن الرؤية الأوربية الاستشراقية كثيرا، فهي تتمحور حول محاور أربعة، هي اتهام الإسلام بأنه ديانة ظلامية استبدادية، مناهضة للمسيحية، تحبذ الحياة الإباحية الشهوانية، وتضطهد المرأة. وإنما الجديد هنا هو السياق الأميركي الذي تم فيه وضع هذه التهم القديمة المتجددة. فلننظر الآن في هذا السياق.

يعتبر كوتون ماثر (1663-1728) أكثر رجال الدين تأثيرا في التاريخ الأميركي، فقد ألف حوالي 450 كتابا ورسالة، ووصفه أحد مؤرخي الأديان الأميركيين بأنه "الرجل الذي وضع الأساس الأخلاقي للأمة الأميركية". ومعروف عن ماثر تحامله وحقده الشديد على الإسلام والمسلمين. ففي خطبة له بعنوان "أمجاد النعمة" اتهم ماثر النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بالافتراء، ولَعَن القرآن الكريم، ووصف المسلمين بأنهم "أتباع محمد القذرون"[4]. وفي خطبة أخرى بعنوان "دموع أميركية على أطلال الكنائس اليونانية" هنأ ماثر نفسه بأن الأرض الأميركية لم تطأها قدم مسلم قط[5]. وعلى خطى ماثر سار العديد من رجال الدين والسياسة الأميركيين منذ القرن السابع عشر حتى اليوم.

ويوصف المسلمون في كتابات الأميركيين الأوائل دائما بأنهم كفار ووثنيون، حتى حينما يكون سياق الحديث لا يدعو لذلك. ففي الأجواء الرومانسية التي تسود مسرحية سوزانا راوسون "عبيد في الجزائر" يصف العبد الأميركي فريدريك عشيقته الجزائرية بـ"حلوتي الصغيرة الكافرة" my sweet little infidelو"عزيزتي الصغيرة الكافرة" dear little infidel[6].

وقد لا حظ تيموثي مارْ وتوماس كيدْ -وهما من أوسع الكتّاب الأميركيين المعاصرين اطلاعا على تاريخ العلاقات الإسلامية الأميركية- أن الإسلام تم استخدامه استخداما جدليا سيئا من طرف القادة الأميركيين الأوائل. فقد كانت صورة الإسلام والمسلمين مشوهة في عقول أولئك القادة، فاستخدموا تلك الصورة الشوهاء في معاركهم السياسية داخل أميركا.

ومن أمثلة ذلك، أن الرئيس جون كوينسي آدمز (1767-1848) هاجم الرئيس توماس جفرسون (1743-1826) مرة في إحدى الحملات الانتخابية ووصفه بأنه "النبي العربي"[7]. بل إن إحدى مسودات الدستور الأميركي التي أوردها جيفرسون في سيرته الذاتية، كانت تنص في مقدمتها على أن ملك انكلترا يرتكب ضد الأميركيين "القرصنة الحربية وغير ذلك من مخازي القوى الكافرة"[8]، والمقصود بـ"القوى الكافرة" هي الدول المسلمة في شمال أفريقيا، كما لاحظ تيماثي مار وغيره[9].

ونفس الاستخدام الجدلي السيئ للإسلام نجده في الصراع بين الطوائف المسيحية الأميركية، فهذا القسيس المعمداني الأميريكي روجر ويليامز (1603-1684) يهاجم القسيس المنهجي جورج فوكس (1624-1691) ويصفه بأنه "محمد الجديد"[10]. وحينما ظهر مذهب "المورمون" على يد جوزيف سميث (1805-1844)، اعتبره قادة الطوائف المسيحية الأخرى بدعة منكرة، وسرعان ما اتخذ هؤلاء القادة من الإسلام ومن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذريعة لهجماتهم على المذهب الجديد. فمن التسميات الازدرائية التي استخدمها معارضو جوزيف سميث ضده تسمية "محمد الأميركي" و"محمد أونتاريو" ومحمد اليانكي"[11]. أما أونتاريو فهي البلدة التي ولد فيها جوزيف سميث وأما "اليانكي" Yankeeفهي كلمة دارجة ذات مدلول ازدرائي، استخدمها سكان الجنوب الأميريكي لسكان الشمال خلال الحرب الأهلية بين الطرفين، كما استخدمها الإنكليز وغيرهم في نعت الأميركيين بالجفاء والخشونة.

وقد استمر "وصم" طائفة المورمون ـ على سبيل الازدراء ـ بأنهم مسلمون إلى مطلع القرن العشرين، كما يدل عليه كتاب بروس كيني "مذهب المورمون: إسلامُ أميركا"[12] الصادر عام 1912.

أنماط الصور النمطية:

يمكن تقسيم أنماط الصور النمطية السلبية في هذا التراث الأميركي المتعلق بالمسلمين إلى أربعة أصناف: رؤية الأميركيين للإسلام، ورؤيتهم للأوطان الإسلامية، ورؤيتهم للسكان المسلمين، ورؤيتهم للحياة الاجتماعية لدى هؤلاء السكان. أما رؤية الأميركيين الأوائل للدين الإسلامي فقد رأينا نماذج منها، وأما عن رؤيتهم للأوطان الإسلامية فقد عبر الكتاب الأميركيون عن استبشاع عميق لها، حتى الذين لم يروها قط منهم. فهذا القسيس كوتون ماثر يصف الجزائر، بأنها "بلاد التنين وبطن جهنم"[13] ويدعو المغرب "عرين الأسد في تلك الناحية من بلاد البرابرة"[14].

وهذا السفير بارلو يصف الجزائر في رسائله لزوجته بأنها "عرين القراصنة ومجمع الخبائث"[15] و"الأرض الملعونة"[16] و"المكان البغيض"[17] و"وكر الفساد والوباء والحماقة"[18]. ويستعمل بارلو أحيانا أسلوبا ساخرا للتعبير عن حقده على الجزائر فيكتب مثلا: "لقد خُلِق هذا العالَم بطريقة لم أكن لأوافق عليها. فهنالك أشياء لم أكن لأخلقها لو كان لي من الأمر شيء، ومنها مثلا مدينة الجزائر"[19]. وحينما رحل بارلو عن الجزائر قافلا إلى فرنسا وصف نفسه بأنه "شبح خارج من جهنم".[20].

أما السكان المسلمون، فقد أضفى عليهم الكتاب الأميركيون أبشع أنواع الوصف، ووصموهم بالهمجية والوحشية، حتى سماهم المستعبَد السابق جون فوس "المحمديون القساة"[21]. ولترسيخ هذه المعاني استخدم أولئك الكتاب الحيواناتِ صورا مجازية. فالقسيس ماثر يقول عن ملك المغرب إنه "نمر يسمونه عندهم امبراطورا"[22]، والمستعبَد السابق جون فوس يصف الجزائر بأنها "صحراء متوحشة ملأى بالأسود والنمور والفهود والثعالب والجواميس والخنازير والنيص، ولا بد أن أعترف أن هذه الحيوانات ليست أقل سكان هذه البلاد مودة."[23] ومن الواضح أن الجزائر لم تكن ملأى بكل هذه الحيوانات، لكن المهم عند جون فوس هو الوظيفة المجازية لا دقة المعلومات.

وقد كان لنزعة الاستعلاء العرقي لدى الكتّاب الأميركيين أثر عميق على رؤيتهم للشعوب المسلمة التي احتكوا بها. فقد نالت جميع أعراق المغرب العربي –من عرب وأتراك وزنوج- حظها من التحيز العنصري في هذه الكتابات. فقد وصف كوتون ماثر ملك المغرب بأنه "شيطان إفريقي"[24] وعبر عن تقززه من وجود عبيد بيض في شمال إفريقيا يسوسهم سيد عربي-إفريقي[25]، إذ العبودية في عرفه خاصة بالأفارقة السود.

ونفس الصورة الشيطانية استخدمها المستعبَد الأميركي السابق جون فوس في وصفه لسكان الجزائر من الأتراك حيث كتب "إن طريقة لبسهم ولُحاهم الطويلة تجعلهم أقرب إلى الشياطين منهم إلى البشر"[26]. وفي المسرحية المعنونة "عبيد في الجزائر" وصف أحد أبطال المسرحية الأوربيين الأتراكَ بأنهم "أشرار، أنذال، أخِساء، أوغاد"[27] وكأن اللغة لا تتسع للكلمات البشعة التي يريد استخدامها. أما المستعبَدة أليزا برادلي (وهي شخصية خيالية إذ لم يكن بين العبيد الأميركيين نساء) فقد اشتكتْ من "السحنة الوحشية في الوجوه العربية"[28].

وفي رؤيتهم للحياة الاجتماعية في المغرب العربي، أظهر الأميريكيون الأوائل مزيجا من الجهل والاستعلاء. إذ يزعم السفير بارلو أن عقوبة المرأة الزانية في الجزائر هي رميها في البحر موثَقةً إلى صخرة[29]، وهي عقوبة أقرب إلى قانون حمورابي منها إلى التشريعات العثمانية التي كانت تحكم الجزائر. وفي المسرحية "عبيد في الجزائر"، يهدد الحاكم العثماني للجزائر امرأة تسمى "فتنة" بأن تحبه وإلا فإنه سيقطع رأسها[30].

وكانت بعض قبائل البربر هي الاستثناء الوحيد من هذا التحيز العرقي في الكتابات الأميركية، لأن الكتاب الأميركيين اعتبروها شعوبا بيضاء. وفي دراسة للسفير ويليام شيلر عن لغات وأعراف بعض قبائل البربر يصف شيلر هذه القبائل أحيانا بأنها "شعوب بيضاء، ذكية جدا، متمرسة بالتجارة"[31]، وأحيانا بأنها "شعوب بيضاء، وافرة العدد، شجاعة ومتمرسة بالحرب"[32]. ولكي يتغلب شيلر على التناقض في وصفه لسكان المنطقة يرجح في كتابه "شذرات عن الجزائر" أن هذه القبائل من أصول أوربية[33]، وبالتالي فهي ليست جزءا من شعوب الشمال الإفريقي.

رؤية أبي الأدب الأميركي:

إن النصوص الأميركية التي استشهدنا بها حتى الآن تنتمي إلى الحقبة الزمنية الممتدة من نهاية القرن الخامس عشر إلى بداية القرن التاسع عشر. فلنتقدمْ في الزمان ولننظر نموذحا من الكتابات الأميريكة حول المسلمين تنتمي إلى القرن التاسع عشر. وقد اخترنا الكاتب الأميركي مارك توينْ (1835-1910) الذي يدعَى "أبا الأدب الأميركي" لما لكتاباته من أثر وانتشار.

سافر مارك توينْ عام 1867 إلى فلسطين في رحلة بحرية مرت بأوربا والمغرب، وكتب رسائل عن رحلته جمعها فيما بعد في كتابه "الأطهار في الغربة"[34]، وظل هذا الكتاب أوسع كتب الرحلات الأميركية انتشارا خلال مائة عام.[35] وقد عد أدوارد سعيد توينْ أحد الأدباء الأميركيين المتتبعين للعورات الذين تعمدوا إغفال الحديث عن أي أمر إيجابي في المجتمعات العربية والإسلامية.[36] والمتأمل في كتاب توينْ يجد تحيزا وضيق أفق في النظرة إلى المسلمين، رغم أن الكاتب ذكر حكمة جميلة في صدر الكتاب وهي أن "السفر قتَّال للجهل والتحيز وضيق الأفق" [37]. وقد امتزجت في عقل الكاتب الأميركي الأشهر التحيزات الدينية الموروثة عن العصور الوسطى مع الاستعلاء العرقي والروح الامبريالية السائدة في القرن التاسع عشر.

وقد دفع الجهل بالإسلام توينْ إلى ادعاءات غريبة منها أن المسلمين يعتقدون أن بمدينة القدس عمودا فخاريا سيجلس عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ليحكم على أعمال البشر. ثم يعلق توينْ على هذه الجهالات بقوله "ليته حكم عليهم من أحد الأماكن في موطنه مكة، ولم يتجاوز الحدود إلى أرضنا المقدسة"[38]. ومنها، قوله إن المسلمين بالقدس يؤمنون بأن "البوابة الذهبية" في سور القدس إذا انهارت فسينهار معها الإسلام والإمبراطورية العثمانية، ثم يعرب توينْ عن غبطته بالتصدع في البوابة المؤذن بقرب الانهيار الكبير[39].

ورغم أن مارك توينْ معروف بفكره الليبرالي المتحرر من أي دين، فإنه إذا تحدث عن الإسلام والمسلمين يبدي تعصبا دينيا غريبا. يصف توينْ مثلا إحدى زيارته وزملاؤُه لأحد المساجد في فلسطين ويذكر كيف مشى الحجاج الأميركيون على بساط المسجد دون خلع نعالهم "وكان ذلك بمثابة تقطيع لقلوب أولئك العرب" حسب تعبيره. ثم يكتب توينْ: "إن المشي بالنعال على سجادات الصلاة المقدسة ـ وهو أمر ما كان عربي ليفعله أبدا ـ قد آلم هؤلاء الناس الذين لم ينالونا بأي سوء. افترضْ أن جماعة من الغرباء المسلحين دخلوا كنيسة في إحدى القرى الأميركية ثم خلعوا بدافع الفضول فسيفساء المرمر التي تزين المذبح، ثم صعدوا ووطأوا بأقدامهم على الكتاب المقدس..." لكن توينْ لا يجد مبررا لهذه المقارنة، وسرعان ما يؤكد أن "الأمر مختلف تماما، فهنالك فرق بين تدنيس معبد لديننا وبين تدنيس معبد وثني"[40] يقصد المسجد.

وهذه الازدواجية في الموقف من الدين نجدها أيضا في مواقف توينْ السياسية إذا تعلق الأمر بالمسلمين. فرغم أن الرجل اشتهر بمعارضة الغزو الأميركي للفلبين، والكتابة ضده، وإدانته الأخلاقية، فإنه كان يمقُت الدولة العثمانية المسلمة، ويعبر عن أمنيته في رؤيتها تفنى على أيدي الروس[41].

أما التحيز العرقي ضد العرب والمسلمين عند مارك توينْ فحدث ولا حرج. فقد وصف النساءَ العربيات في طنجة وبيروت والناصرة بأنهن "يشبهن المومياء"[42] وأنهن يخفين وراء لباسهن "قبحا مهلكا".[43] وقد اجتمع التحيز الديني والعرقي في رؤية توينْ للحراس العرب المرافقين لقافلته في فلسطين، فقد كتب: "إنه لأمر مخزٍ أن يكون المسيحيون البيض المسلحون تحت حراسة حشرات كهذه ضد قطاع الطرق في الصحراء."[44] وأبدى توينْ إعجابه بأحد الحجاج الأميركيين يدعى غريمس Grimesلأنه كان لا يراه إلا منحنيا يبكي على أيقونة مسيحية أو مسددا بندقيته لقتل أحد العرب[45] كما يزعم.

احتلال الضمير الأميركي:

قد لا يكون من الإنصاف القول إن الأميركيين لم يتعلموا الكثير عن المسلمين منذ أيام كولومبوس، وأن الصورة النمطية التي كانت في ذهن القسيس كوتون ماثر في القرن السابع عشر لا تزال كما هي في أذهان كل رجال الدين المسيحيين الأميركيين.

الحقيقة أن الكثير قد تغير وأن المعرفة بالعالم الإسلامي قد تعمقت كثيرا خلال القرن العشرين. لكن هل المعرفة تنتج التفهم والتعايش بالضرورة؟ يبدو من خلال استقراء الثقافة الأميركية المكتوبة حول المسلمين أن الجواب على هذا السؤال ليس بالأمر السهل. فقد دفعت المعرفة بالكثير من الأميركيين إلى تغيير نظرتهم السلبية، وجعلتهم ينظرون إلى المسلمين بشكل أكثر تواضعا وأقل تبجحا. لكن آخرين لا تزيدهم هذه المعرفة إلا إمعانا في العداء والتحيز.

وأسوأ ما يؤثر على العقل الأميريكي اليوم في نظرته للعرب والمسلمين هو وجود تيار صهيوني قوي يمسك بتلابيب الأميركيين ويحول بينهم وبين تغيير نظرتهم إلى المسلمين بشكل أفضل. وأهم ما يحرص عليه هذا التيار هو إدامة الصور النمطية السلبية وإعادة إنتاجها، وهو يعتمد على جيش من المستشرقين أمثال "برنارد لويس" وتلميذه "مارتن كرامر"، والصحفيين أمثال "توماس فريدمان" و"ويليام كريستول"، وعدد لا يحصى من منتجي ومخرجي هوليوود. وليست تنقص التيار الصهيوني الأميريكي المعلومات الصحيحة عن الإسلام أو العرب، وإنما تنقصه النزاهة الفكرية والأخلاقية.

وقد تتبع البروفسور جاك شاهين بهمة عالية الجهدَ المنسق في هوليوود وفي الإعلام الأميركي الذي يملك الصهاينة أكبر مؤسساته لتعميق وإدامة الصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين، وخصص لذلك ثلاثة من كتبه، هي "عربي التلفزيون"[46] و"العرب الحقيقيون الأشرار: كيف تلطخ هوليوود كرامة شعب"[47] و"مدان: حكم هوليوود على العرب بعد 11 سبتمبر".[48].

ولا يخلو تاريخ العلاقات القلقة بين أميركا والعالم الإسلامي من جهود تأويلية على أيدي مثيري الفتن ومشعلي الحروب من الصهاينة، هدفها إدامة الحقد ونكء الجراح. ومن أهم الجهود في هذا المضمار كتاب مايكل أورين الصادر عام 2007 بعنوان "القوة والعقيدة والوهم: أميركا في الشرق الأوسط من عام 1776 إلى اليوم".[49]. والمؤلف لمن لا يعرفه إسرائيلي أميركي كان ناطقا باسم الجيش الإسرائيلي خلال الهجمة على لبنان عام 2006، ومع ذلك يراه الأميركيون المغفلون مؤرخا نزيها!!

حتى إن أحد أساتذتي بجامعة تكساس جعل الكتاب ضمن الكتب المقررة عليَّ في امتحاناتي النهائية للدكتوراه. والحقيقة أن أورين يعيد قراءة تاريخ العلاقات الأميركية الإسلامية بمنطق إسرائيلي بحت، هدفه تعميق الجفوة وإدامة الصراع بين أميركا والعالم الإسلامي. وليس الكتاب سوى لبنة بسيطة ضمن جهد منسق وناجح لاحتلال العقل الأميريكي واستغلال جهل الأميركيين التقليدي بالعالم من حولهم بما يخدم إسرائيل وامتداداتها. ومثل كتاب أورين كتاب روبرت كابلان "المستعربون"[50] وهو إعادة قراءة لتاريخ الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط يسفه كل جهد للتعايش مع العرب، ويتهم الدبلوماسيين الأميركيين الداعين إلى إنصاف الفلسطينيين بالبلاهة والرومانسية. وقد خدم المؤلف في الجيش الإسرائيلي خمس سنين قبل أن يصبح منظرا أميركا!!

ومهما يكن من أمر، فإن جذور الصور النمطية السلبية عن المسلمين في العقل الأميركي جذور عميقة، وهي تعبر عن نفسها في أشكال مختلفة من التحيز الديني والعرقي يدركها الدارسون للثقافة الأميركية والتاريخ الأميركي. وهذه الصور النمطية السلبية هي القاعدة الأخلاقية التي تشرع التدخل الاستراتيجي في المنطقة، والعدوان الدائم على أهلها منذ عقود.

ورغم العمل الرائد الذي أرساه العرب والمسلمون الأميركيون، والجهد المشكور الذي يبذله بعض الكتاب والمثقفين الأميركيين المنصفين للتغلب على هذه الصور النمطية السلبية، فإن الاحتلال الصهيوني للضمير الأميركي حاجز كثيف يمنع نفاذ هذه الجهود الطيبة إليه. وما دام الصهاينة يتخذون من أميركا سلَّما لأمجاد بني إسرائيل، والنخبة الأميركية راضية بذلك، فإن أي جهد لتصحيح الرؤية الأميريكة للإسلام والمسلمين سيكون محفوفا بالأشواك.
ومع ذلك، فإن المفتاح لهذا الجهد الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى يتلخص في أمرين، أولهما: الدراسة المعمقة لتاريخ وثقافة الولايات المتحدة واستيعاب خريطتها الدينية والسياسية عبر مراكز متخصصة في الدراسات الأميركية في جامعات الدول العربية والإسلامية، وثانيهما الاستثمار الكثيف في الإعلام العالمي الناطق بالإنكليزية وعدم الوقوف على الجانب وترك المجال لتجار الحروب من الصهاينة يسرحون فيه ويمرحون. فإلى هاتين الجبهتين ينبغي أن يتجه جهدنا اليوم إذا ما أردنا لنا مكانا جديدا على المسرح العالمي، غير محجور علينا بالصور النمطية والأحكام الجائرة.

منقول عن موقع الشهاب/ بقلم: محمد بن المختار الشنقيطي
http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=article&sid=2205

0 التعليقات:

إرسال تعليق


 

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.

ضع اداة هنا

.